عندما تضيع البوصلة ويفقد كل منا اتجاهه وتختلط عنده المفاهيم، فيفقد القدرة على التمييز بين الثوابت والمتغيرات، بين الفروع والأصول، بين الوحي (الكتاب والسنة الصحيحة المبينة له) المتجرد عن الزمان والمكان والاجتهادات البشرية التي تخضع بالضرورة لطبيعة تفاعل الإنسان مع معطيات عصره وفقًا لنظرته الكلية عن الكون والإنسان والحياة والتي قد تخطئ أو تصيب، فيصبح لديه الدين تدينًا والتدين دينًا ولا يفرق بين كل منهما، ومن هنا يأتي الخلل فيجنح إما إلى إفراط أو تفريط، إما إلى إلحاد أو تكفير، إما إلى إفساد أو تخبط. ولكي نعالج هذه المشكلة لابد من التفريق بين الدين باعتبار مصدره ومرجعيته ووظيفته وبين التدين بنفس تلك الاعتبارات. فالدين (وفقًا للفكر الإسلامي) مصدره إلهي ومرجعيته «الوحي» بشقيه (القرآن والسنة الصحيحة المبينة للقرآن) ووظيفته (تحديد مكانة الإنسان في هذه الحياة وتحديد طبيعة علاقته بالله وبالكون وبالحياة، وتحقيق مقاصد القرآن من توحيد وتزكية وعمران وحرية وعدالة وتنمية أثناء حركة الإنسان في الحياة) ومنها تنبثق اجتهاداته في تحديد نمط الحياة الملائم له وشكل المجتمع الذي يبنيه وشكل النظام السياسي الذي يحكمه وطريقة عيشه على جميع الأصعدة (السياسية والاجتماعية والمنهجية والعلمية والأخلاقية والتعبدية – مع مراعاة الثابت منها توقيفًا والمتغير مقاصدَ وتوفيقًا فلا يخلط بين هذا وذاك)، وعند هذه النقطة يأتي «التدين» باعتبار مرجعيته؛ إذ يكون العقل وحركته في إطار الكون والوجود والإنسان ومعطيات العصر وفقًا لفهمه لـ«الوحي» هو المرجع للتدين فيكون التدين بهذه الحالة «فرديًّا وخاصًّا» بكل إنسان أو على أحسن الأحوال مجتمعيًّا (أي خاصًّا بمجتمع معين في مكان معين وفترة زمنية معينة وفقًا لمعطيات عصره الفكرية والواقعية) ومحددًا بطبيعة المكان والزمان واجتهاداته، أما مصدره فسيكون كل الآراء والاجتهادات والمذاهب والأفكار والفلسفات المنتشرة في ذلك العصر والتي ترتبط بطريقة أو أخرى، سلبًا أو إيجابًا بالوحي في محاولة الإنسان تحقيق وظيفة الدين فيصيب في تدينه حينًا ويخطئ أحيانًا أخرى.

فإذا لم ندرك هذه الأبعاد في الفرق بين الدين والتدين، عندها نكون قد ظلمنا أنفسنا وظلمنا ديننا في «استدعاء» تدين السلف والخلف (بكل ما يحمل من اجتهادات كانت حلولًا لمشاكل ذلك العصر واجتهادات وفقًا لمعطيات زمانية ومكانية خاصة بهم) لكي نتخذه «دينًا» لنا بل الواجب علينا أن نأخذ «الدين» بمرجعيته وبمصدريته وبوظيفته من الوحي (القرآن والسنة المبينة له)، كما نقله السلف وفقًا للمنهج العلمي الرصين والذي وضع أسسه علماء الحديث والأصول والمقاصد، لكي يكون تديننا ملائمًا لواقعنا ومحققًا لأهداف ديننا الحنيف وغاياته بعيدًا عن مشكلات خاضتها مجتمعات سابقة فتفاعلت معها وفقًا لمعطيات عصرها منطلقة من الوحي ومقاصده، فنجحوا حينًا وأخفقوا حينًا آخر، فنخفق في تديننا ونسحب مشاكل الماضي إلى الحاضر فيحدث لدينا فصام بين الدين (الذي ألبس لباس التدين الماضي) والدين الحق المزروع في العقل الباطن لنا ولمجتمعتنا، فنسعى لردم الهوة بينهما فنخطئ في اجتهاداتنا فيحدث تكفير وقتل باسمِ الله أو تفريط يصل إلى إلحاد وإباحية ونكران وجود الخالق عز وجل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

دين
عرض التعليقات
تحميل المزيد