كلما شعر الإنسان بأن هناك شيئًا يدعم اعتقاده وإيمانه بشيء ما، زادت راحته وربما ازداد إيمانه بذاك الشيء، لأننا ربما لا نبحث عن الحقيقة بل نخضع لرغبة لدينا بأن يكون ما نؤمن به صحيحًا.

لا بد أنك في يوم ما قرأت أو سمعت عن تلك القصص الأسطورية، «دراسات أثبتت أن الثوم يعالج الالتهابات والأمراض الخبيثة لكن العلماء تجاهلوا أنه مذكور في القرآن منذ آلاف السنين»، وفي حقيقة الأمر أن هؤلاء تجاهلوا أن هناك ثمرات لها فوائد الثوم نفسها وربما أفضل، لكنها لم تذكر في القرآن، وهذا لا ينقص من قيمته شيئًا، «أرمسترونغ لما كان في القمر سمع صوت الأذان ثم سمعه مرة أخرى لما كان في السودان فأسلم»، والرجل لم يسمع شيئًا ولم يدخل في الإسلام ولم يزر السودان أصلًا، «شاب وهو يشرب العصير شاهد قناة إخبارية أمريكية ورأى تقريرًا لوكالة ناسا تتكلم فيه عن اكتشاف انشقاق القمر فقفز وأسلم»، والحقيقية أنه لا يوجد تقرير لناسا يقر بذلك، فلو كان لَأسلم كل فريق عملها، «مكة مركز العالم ولا تمر أي طائرة فوقها نظرًا لوجود مجال مغناطيسي فوقها»، لكن الأمر أقل تعقيدًا من هذا، كل ما في الأمر أن هناك اتفاقًا بين الدول بعدم مرور الطائرات فوق المراكز السياحية المهمة في العالم خوفًا على سلامتها من حدوث ضرر ما.

رغم أن هذه القصص بني عليها إيمان أجيال كاملة، فإن عند ظهور حقيقتها ألحد على يدها الكثير، ربما أكثر مما ألحد متأثرًا بأنطوني فلو في أيام إلحاده قبل أن يؤمن، ومع أن عصر المعجزات انتهى مع نزول القرآن فإن مروجي هاته القصص ومتبني فكر الإعجاز العلمي يبحثون دائمًا عن معجزة أو بالأصح يصنعونها، قائلين لماذا يفتخر الغرب باكتشاف هذه المعلومة نحن عندنا في القرآن منذ 1400 سنة، حسنًا يا صديقي لكن لماذا انتظرت 1400 سنة إلى أن يكتشفها الغرب فتقرأها في القرآن، أم أنك كنت حينها مشغولًا بتحريم خروج المرأة من بيتها أو في مناظرة عن حكم الموسيقى في الإسلام.

رغم وجود شخصيات نيرة تدعو إلى الامتناع عن سخافات مروجي هذا الفكر كعدنان إبراهيم ونضال قسوم فإن أناسًا ذوي شهادات عالية ووجوه إعلامية شهيرة تؤثر في ملايين الناس يروجون لهذا الفكر المفبرك، قد يكون الهدف نبيلًا، إلا أنهم بهذه الأفعال يحرجون القرآن لأنهم تناسوا أنه كتاب دين أنزِل لغرض محدد، أما الحقائق العلمية فقد تتغير مع مرور الزمن باكتشافات جديدة ونظريات جديدة، فماذا سنفعل حينها؟ هل علينا تفسير القرآن كالنسخة الجديدة من المجلة العلمية NATURE، أم علينا إنكار النظريات الجديدة لأننا لم نجد أي اَية نحرفها لتفسرها لنا كما هو حالنا اليوم مع نظرية التطور.

شخصيًّا كنت متأثرًا فيما مضى بإحدى هذه القصص، وهي تتعلق بآية «إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا»، القصة تقول إن العلماء اكتشفوا مؤخرًا أن هناك كائنًا صغيرًا يعيش فوق البعوضة، وأن هذا هو المقصود بـ«بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا»، لا أنكر حينها أنني ارتجفت وقلت سبحان الله، لكن مع مرور الأيام والتدقيق في المعلومات اكتشفت أن هذا كله مجرد افتراء وفبركة.

هناك فعلًا طفيلي يعيش مع البعوضة لكنه ليس فوقها بالضرورة بل يلتصق بها أو بإحدى جناحيها، كما أنه لا يعيش مع البعوض فقط بل مع العديد من المخلوقات، كما أنه أيضًا قد يرى بالعين المجردة، فليس في الأمر ما يعجز. أما كان من الأفضل ألا نقحم القرآن في هاته المتاهة، ونأخذ المعنى الباطني للآية، وهو أن الله يضرب الأمثال مهما كبرت أو صغرت.

المشكلة أن هذه القصص المفبركة قد تتفاقم إلى أن تصبح سببًا في أمراض وفقدان حياة الكثير من الناس، ولعل أشهرها هو ما يتعلق ببول البعير، نعم يدعون أنه شفاء للعديد من الأمراض، وبالأخص السرطان، نعم المرض الذي ضحى الكثير من العلماء في سبيل تطوير طرق علاجه، هم يعالجونه فقط ببول البعير، لكن مع القليل من التعمق في المصادر العلمية التجريبية ستكتشف أنه بول كباقي الأبوال، أي إنه مضر ويحتوي على سموم ومواد خطيرة كحمض اليوريك مثلًا.

هم يستدلون بحديث «اشربوا من ألبانها وأبوالها»، المشكلة ليست في الحديث، بل وضعهم الحديث في إطار غير ملائم، متناسين أن هذا الفعل كان مقبولًا عند العرب آنذاك، وكان الرسول محمد -عليه الصلاة والسلام- يمارسه بصفته الشخصية وليس بصفته النبوية؛ لأنه كان فردًا من هذا المجتمع العربي، هؤلاء أنفسهم هم من يزعمون أن الإنسان لم يصعد قط إلى الفضاء، ولن يصعد، مستدلين بآيات كثيرة، وأن العسل يشفي جميع الأمراض رغم أنه يذهب إلى الصيدلية عند أول زكام، وهم ما يزالون على هذه الدغمائية حتى صرنا أُضحُوكة.

نعم اِن الغوص في معاني القرآن قد يؤدي إلى استشعار معانٍ راقية وأحيانًا علمية، لكنه استشعار معانٍ وليس إيجاد حل لمعادلة فيزيائية، وهذا طبيعي؛ بل متناسب مع طبيعة القرآن وغايته، فهو ليس كتابًا في العلوم الطبيعية وليس الهدف من إنزاله أن يكون كذلك، «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ» ذِكر وليس معجمًا تفسيريًّا.

ربما يكون أدق وصف لِمُتبني فكر الإعجاز العلمي هو ما قاله الدكتور أحمد خيري العمري: «الزوجة التي تطالب بأدلة على حب زوجها لها وإخلاصه تعبر ضمنيًّا عن وجود شك ما في داخلها تجاه هذا الأمر»، هذا تمامًا ما يفعله هؤلاء؛ فهم بإصرارهم على إيجاد معجزة علمية في القرآن حتى ولو لم تكن موجودة، فهم يعبرون بطريقة أو بأخرى أنهم غير متشبعين لمعجزة القرآن التي تتجلى فيه كتابًا سماويًّا مقدسًا.

ربما لو بحثوا قليلًا سيجدون أن القرآن مليء بعبارات أفلا تعقلون، أفلا تتفكرون، حينها كان من الممكن أن يتوقفوا عن هذه الافتراءات والخرافات، ربما لم يخبرهم أحد أن زمن المعجزات قد ولى، وأن المعجزة الحقيقية في القرآن تتجلى فيه وفي توصيته بالبحث عن الحقيقة التي نخافها، «قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

religion, science, Social
عرض التعليقات
تحميل المزيد