من المعروف أن لكل بلد نظام يسيّر شؤونه الداخلية والخارجية وفقًا له بغض النظر عن مدى ملائمة أو عدم ملائمة هذا النظام لرغبات وتطلعات المجتمع وطموحه، أي المهم هناك نظام لكل بلد.

إن مدى ملائمة أو عدم ملائمة النظام لتطلعات المجتمع وطموحه يعتمد بالدرجة الأساس على وعي المجتمع، فكلما كان المجتمع ذا وعي عالٍ يشعر بالمسؤولية العامة تجاه قضايا وطنه ومجتمعه، كلما أدى ذلك إلى إفراز نظام قادر على تلبية طموحه وتطلعاته، والعكس صحيح كلما كان وعيه هابط لا يشعر بالمسؤولية ولا يرقى إلى تحمل قضايا وطنه ومجتمعه، كلما أدى إلى إفراز نظام مشوه لا يستطيع تلبية طموحه وتطلعاته، والنتيجة أن يبقى المجتمع يعاني، بل يدفع ضريبة عدم وعيه تجاه حقوقه ويسير نحو الانهيار، مادام النظام هو انعكاس للمجتمع.

ومن المعيب وغير المنطقي أن نُطالب بنظام كفوء يلبي طموح وتطلعات المجتمع في ظل غياب القاعدة الرئيسية للنظام الذي يُفرز على أساسها، ألا وهي وعي المجتمع، فعند غياب هذه القاعدة لا يمكن أن يتحقق نظام كفء، إلا إذا أصبح فاقد الشيء يعطيه!

لكن السؤال الذي يطرح كيف يزداد وعي المجتمع حتى ينتج نظامًا قادرًا على تلبية طموحه وتطلعاته في ظل فرضية إن النظام هو انعكاس للمجتمع؟ هناك ثلاثة محركات اجتماعية تستطيع العمل على زيادة وعي المجتمع وتبصيره بمصيره في هذه الحياة وكيفية ضمان حقوقه السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، هذه المحركات هي المحرك الديني والمحرك العشائري والمحرك الأكاديمي، ورُبّ سائل يسأل لماذا لم يتم إدراج محركات أخرى كالطب أو الاقتصاد أو المحاماة أو الهندسة أو النجارة أو غيرها؟

الجواب ببساطة أن المجتمع الشرقي، وخصوصًا العربي، غالبًا ما يلتف حول هذه المحركات الرئيسة وينفذ ما تريد، إذ هو مجتمع يحب الانقياد والطاعة ولا يستطيع السير بمفرده دون الانسجام مع ما تريده هذه المحركات، ليس هذا فحسب، بل يشعر عند مخالفته لسير هذه المحركات أنه قد ارتكب ذنبًا ما فلا بد أن يقدم ما يكفر عن ذنبه بشكل ذاتي مع العلم أنه لا يوجد رقيب ومحاسب مباشر فوق رأسه! ومن باب التركيز على هذه المحركات، وعدم خلط الأمور في ذهن القارئ الكريم، سنفرد هذا المقال للمحرك الأول وهو المحرك الديني، وسنترك المحركين الآخرين لمقالات قادمة إن شاء الله، وتحديد أدوارها الاجتماعية في البلدان العربية.

والرئيس من هذه المحركات هو المحرك الديني حيث معروف أن المجتمع الشرقي مجتمع محافظ ومعتنق لديانته أيًا كانت، إلا أن الأعم الأغلب منهم مسلمون، على كلٍ إن هذا المحرك يلعب دورًا مهمًا وكبيرًا، سلبًا وايجابًا، في حياة المجتمع الذي يكون الدين فيه مسألة مهمة لا يمكن إنكاره في كل شؤون حياته، فكلما كان صاحب السلطة المعنوية (رجل الدين) على قدر عالٍ من الوعي والشعور بالمسؤولية تجاه رعيته وأبناء مجتمعه، كلما أدى ذلك إلى زيادة وعي المجتمع ورفع درجة شعورهم بالمسؤولية العامة الملقاة على عاتقهم، في أغلب مناحي الحياة، وخصوصًا السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والأخلاقية، والدينية من باب أولى، وهذا ما يفضي إلى إنتاج أنظمة اجتماعية كفوءة تلبي متطلباتهم وطموحهم وتطلعاتهم، ومن أهم هذه الأنظمة النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

والعكس صحيح، كلما كان رجل الدين ذا وعي هابط، ولا يشعر بالمسؤولية تجاه رعيته ومجتمعه، والأسوأ إذا كان يفكر بمصالحه الخاصة على حساب مصالح الآخرين رعيته أو أبناء مجتمعه، فإن ذلك سيفضي إلى غياب العلاقة التفاعلية الإيجابية ما بين رجل الدين ورعيته وأبناء مجتمعه، ومن ثم انخفاض وعي الرعية وأبناء المجتمع وعدم شعورهم بالمسؤولية والصالح العام، وهذا ما يؤدي إلى غياب القاعدة الرئيسة (وعي المجتمع) لبناء النظام الكفء أيًا كان نوعه سياسي، أقتصادي، اجتماعي، إداري… إلخ، فيظل المجتمع يعاني من فقدان حقوقه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية… إلخ.

هذا المحرك يتحمل المسؤولية الأكبر تجاه الوضع الراهن؛ وذلك لغياب دوره الفاعل في تصحيح مسيرة المجتمع ونتيجته (الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية)، فمادام دوره غائب عن توعية المجتمع بالاتجاه الصحيح وبحقوقه، خصوصًا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والدينية من باب أولى، فإن هذا سيفضي إلى نظام مشوه بعيد عن متطلبات المجتمع وطموحه، وهذه نتيجة طبيعية، وذلك لفقدان المجتمع للقاعدة الرئيسة (وعي المجتمع) الكفيلة بإنتاج نظام كفء يلبي طموحه ومتطلباته.

إذا لجأ هذا المحرك إلى الاهتمام بالقضايا الغيبية وترهيب المجتمع بماوراء الطبيعة، بناءًا على الفهم الجامد والمتصلب للنصوص والأدلة النقلية، كونهم (أصحاب المحرك الديني) لم يسهموا في تجديد المنهج ليستطيع قراءة هذه النصوص والأدلة النقلية بشكل يواكب تقدم العصر الذي بلغته البشرية اليوم، هذا من جانب، وزيادة هيبة من يدعي أنه أعلم بشؤون الآخرة وموقعه الاجتماعي، فضلًا عما يستتبع الهيبة والموقع من أموال قد يحصل عليها من الأتباع وغيرها من المميزات من جانب آخر.

كما يعتمد هذا (المحرك) على الموروثات المتوارثة عن الماضي وعدم كشفه عن الحقائق لهذه الموروثات البالية، ولم يسهم في إيلاء الكثير من القضايا المهمة المعاصرة التي يعاني منها المجتمع المسلم، الأهمية ووضعها في موقع الصدارة وتثقيف وتوعية أفراد المجتمع بها، ومن ثم العمل على تحقيقها بالشكل الذي يخدم تحقيق طموحهم وتطلعاتهم، ومن تلك القضايا الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.

وبناءً على ما سبق يمكن أن نشير وبوضوح أن أحد أسباب إخفاق الأنظمة العربية في تلبية طموح مجتمعاتها وتطلعاتها هو عدم فعّالية المحرك الديني تجاه هذه المجتمعات بالاتجاه المطلوب، أي عدم توعيتهم بواقعهم المرير وتثقيفهم على رفض هذا الواقع، وتحقيق المصير المنشود الذي يلبي طموحهم وتطلعاتهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد