تعانى شعوب المنطقة العربية من تماهى عجيب مع موروثها الدينى بكل مشكلاته المتراكمة وأحقاده التاريخية وموروثاته الفقهية الخاصة بزمن انتهى، وأصبح من العبث قياسه على الواقع؛ وفى تلك الظروف التى يقدس فيها العربي تاريخه، لدرجة أن يجعله ديناً يتعبد به؛ ويستحضر صراعات الماضي لتزيد الواقع تعقيداً على تعقيداته؛ وهنا تستمر أهم مشكلات العرب استمرارية فى الاعتماد على أصول تاريخية ودينية لتغذيتها، وفى أول القائمة يأتى الاستبداد كمشكلة متجذرة ومتربعة على صدر المنطقة العربية حتى تكاد تنتجه وتصدره معلباً للبشرية .

فعندنا الاستبداد ليس واقعا سياسيا يمكن تغييره بسهولة، بل دينا يحارب ومجتمعا قبليا يتفكك، وتراثا تاريخيا يكفر به من يريد الثورة.

وعلى الرغم من أن هناك تشابها بشريا بين كل المجتمعات من ناحية التحرر والثورات وأسبابها الاقتصادية إلاّ أن درجة النجاح تكمن فى مدى تعمق الاستبداد فى تلك الأمم، ومن ستحارب الثورة بالضبط، ففى حالة العرب والمسلمين، فى منطقتهم كلمة الثورة هى مجرد مرادف للخروج على الحق؛ فان كنت ثائرا سياسيا فأنت متمرد خرجت عن الجماعة وجب قتلك؛ وإن كانت ثائرا دينيا فأنت مرتد أو معذور وجب نصحك؛ لردك إلى دينهم أو قتلك!

وان كنت ثائرا على تقاليد اجتماعية خربة فأنت منبوذ لا تحترم الكبار المبجلين، ووجب نفيك!

إنها قوانين وصمت الثورات فى تاريخ المسلمين بأبشع الأوصاف وبدلت أصول الإسلام من حرية ومساواة وشورى لعقائد أخرى تثنى على الحكام وتصفهم بأنهم أولى الأمر المنصوص على اتباعهم مهما كان طغيانهم وفجرهم؛ فإن الخط الغالب على التراث الفقهى مهادن للطغاة، وفى أقل حالات خطاه متجنباً للاشتباك الدينى أو العام معهم.

 

مما ثبت لدينا أصول دينية للاستبداد جعلت الثوار خوارج، والمختلفين فى المذهب كفاراً، والمعتقدين لآراء اجتهادية تعارض الجماعة أقلية آرائهم لا نلقى لها بالاً؛ لأنها خالفت الأغلبية!

 

فها نحن نرى الإمام الاشعرى، وهو ما هو عندما يتحدث عن الثورة المسلحة ضد الحاكم المستبد الظالم يقول: (السيف باطل حتى ولو قتلت الرجال وسبيت الذرية؛ وإن الإمام قد يكون عادلاً، ويكون غير عادل، وليس لنا إزالتة، وإن كان فاسقاً !)

 

وعن إمام السنة أحمد بن حنبل (أن طاعة ولي الأمر واجبة، حتى ولو كان فاجراً فاسقاً، والثورة عليه منكر لما تجلبه من الأخطار، وتعطله عن مصالح الناس).

 

وإن كان ما سبق لا يقلل من مكانة هؤلاء العلماء، إلاّ أنه يثبت قصورهم الكبير فى مجابهة الاستبداد وإعطاء الفرصة الكبرى لتأصيل أفعال الحكام الظالمين على سند دينى يستغله شيوخ السلطة فى كل عصر حتى يومنا؛ وما علي العوام المنخدعة بالشعارات الفقهية سوى الرضوخ لقال فلانن وقال علان، ويتركون قول الرسول نفسه.

 

عندما يجهر بقاعدة لحرية الشعوب جميعا فى رفضهم للظلم، عندما قال: (إذا عجزت أمتى عن أن تقول للظالم ياظالم فقد تودع منها!)

 

إذاً لا ثورة أجازها جماعة المسلمين، ولا قيم اعتمدوها لحرية الشعوب فى تقرير مصيرها بالتخلص بآليات حقيقية من الحكام الظالمين؛هذا فقط عند الفريق الأعم منهم، ومن قال بغير ذلك تجاهلوا أقواله، وتُنحى اجتهادته، بل يجمد النص القرآنى نفسه الآمر بالشورى والحرية ومحاسبة الظالمين فى مقابل تصدر أقوال الفقهاء المهادنين فى أمور السياسة.

 

والعجيب أن اغلب من يؤمنون بالإسلام السياسى اليوم يعتبرون نفس هؤلاء الأئمة مدارسهم الفقهية المعتمدة، وبالتالى تستمر الدائرة المفرغة، بحيث يأتى من يأتى فى الحكم، فأياً كان توجهه تظل قاعدة الثورة خارجة عن صحيح الإسلام لديهم؛ والتمرد والمخالفة يتدرج من الرفض وحتى الردة والخروج والقتل!

 

بل يعطى التقديس لآراء هؤلاء العلماء حتى فى محاولتنا للتخلص من وباء العرب الدائم، ألا وهو الاستبداد، فهاهو العلامة ابن جماعة يقول: (إن خلا الوقت عن إمام فتصدى لها من هو ليس من أهلها وقهر الناس بشوكته وجنوده بغير بيعة أو استخلاف؛ انعقدت بيعته! ولزمت طاعته! لينتظم شمل المسلمين وتجتمع كلمتهم ) فليأتى أى طاغية، ويحكم بالحديد والنار حتى بدون أن يختاره الشعب، فما إن غلب فهو الحاكم المطاع فقط، لكى تجتمع كلمة الناس؛ ولا أعلم من أين أتى وهو من هو فى علوم الإسلام بمثل هذا الاجتهاد وعلى أى قرآن أو رسول قاس كلامه !

 

وورد عن ابن كثير بأن رأى الفقهاء تحريم الخروج على يزيد بن معاوية بن أبى سفيان فقالوا: (إنه كان مع ذلك إماماً فاسقاً – أى يزيد- والإمام إذا فسق لا يعزل على أصح قول العلماء! بل لايجوز الخروج عليه؛ لما فى ذلك من إثارة الفتنة ووقوع الهرج وسفك الدماء وفعل الفواحش مع النساء)

هكذا بكل بساطة تجهض الشورى الواردة فى القرآن وتحرم حق الحرية على الشعب لمجرد أن الطاغية إذا خرجت ضده سيسفك دمك، وبالتالى الأسلم والأفضل أننا نظل تحت رحمته ونشرك بالله ما لم ينزل به سلطاناً!

 

فأى ثورة ستنتصر فى ظل استمرار ترديد مثل هذه الآراء واحترام مثل تلك الترهات، واعتبارها فقهاً اسلاميا سليما يعتد به؛ وأى إنسانية يمكن أن تتعاطى مع أباطيل تراثية وتسجن نفسها فى تاريخ من عقليات أهل الصحراء الذين نمت أذهانهم على كبير القبيلة الذى يميزة سنه أو مكانته  بمزايا إمبراطور متوج مهما كان فاسقاً وغبياً وظالماً.

 

إنه تأصيل الاستبداد الذى نعانى منه لا لكونه حاضر فى مشكلاتنا اليومية فقط، بل لكونه يهدم أية محاولة للتحرر، ليس على منهج فكرى جاهل فحسب، بل على أقوال دينية لأئمة تدرس أفكارهم الرجعية لليوم !

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد