إن الإسلام بوصفه قضية عامة غير مرتبطة بفكرة متقطعة من أصل من أصولها، فالإيمان في مجمله ومضمونه هو الإيمان بثوابت هذا الدين وأصوله، كما أنزله الله تعالى دون إضافة أو نقصان. أما الإسلام وهو الجزء المتمم لما مضى يعد هو أشمل ما وجد ونزل من الله عز وجل.

ومعنى شمولية الإسلام أن الإسلام منهج متكامل، تشريع شامل لكل مجالات الحياة، فهو إيمان وعمل، عقيدة وشريعة، عبادة ومعاملة، فكر وعاطفة، أخلاق وعمران، حياة وموت، تحليل وتنفيذ، قول وفعل، جيش وصف، لا ينتقص من ذلك كله شيئًا.

ومسكين هذا الذي يصور له عقله أن الإسلام يقبل من المسلمين أن يكون محمد رسول الله إمامهم في الصلاة، ثم لا عليهم بعد ذلك إن كان كارل ماركس إمامهم في الاقتصاد. فالإسلام لا يرتبط فقط بالعبادات والطاعات، وإن كثرت، وإن كان هذا في الأساس هو جزء من أصل الدين وليس الدين كله. إنما الإسلام هو قضية عامة تحمل كل معاني الشمولية فيها.

«إذا كان القرآن يضع القواعد العامة والمبادئ الكلية، ويرسم الإطار العام للتشريع؛ فإن السنة تفصِّل ما أجمله القرآن، وتبيِّن ما أبهمه، وتضع الصور التطبيقية لتوجيهاته. فالقرآن بمنزلة الدستور، والسنة بمنزلة القوانين والمذكرات التفسيرية المبيِّنة»(1). فالإسلام أشمل في منهجه المتصل بالقلب والجوارح معًا، دون فصل بعضهما عن بعض.

فصلاح النية من صلاح القلب، ولكن ليس ذلك فقط هو عنوان شمولية الإسلام؛ بل إن صلاح الجوارح أيضًا هو المتمم لصلاح ذاك القلب. ذكر السعدي في تفسيره لقول الله تعالى: «إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ».

وقد يكون الإنسان خاسرًا من بعض الوجوه دون بعض، ولهذا عمم الله الخسار لكل إنسان، إلا من اتصف بأربع صفات: الإيمان بما أمر الله بالإيمان به، ولا يكون الإيمان بدون العلم، فهو فرع عنه لا يتم إلا به. والعمل الصالح، وهذا شامل لأفعال الخير كلها، الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحق الله وحق عباده، الواجبة والمستحبة. والتواصي بالحق، الذي هو الإيمان والعمل الصالح، أي: يوصي بعضهم بعضًا بذلك، ويحثه عليه، ويرغبه فيه. والتواصي بالصبر على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله المؤلمة. فبالأمرين الأولين، يكمل الإنسان نفسه، وبالأمرين الأخيرين يكمل غيره، وبتكميل الأمور الأربعة، يكون الإنسان قد سلم من الخسار، وفاز بالربح «العظيم»(2).

إذن فالإسلام أشمل في منهجه من غيره، وهذا يظهر جليًّا في الحديث الذي رواه أبو هريرة عن رسول الله: «يَا رَسُولَ اللهِ مَا الإِيمَانُ؟» قَالَ: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَلِقَائِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الآخِرِ»، وفي رواية أخرى في ما رواه عمر بن الخطاب: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»(3).

هذا أشمل في مضمونه من عقيدة التثليث المقدسة في النصرانية، والاعتقاد أن الله ثالث ثلاثة، أو اعتقادهم أن عيسى إله واحد من دون الله. وكذالك الإسلام يدعو إلى الإيمان بالقدر كونه جزءًا مجتزأ من مجمل الإيمان، بينما تبطل عقيدة اللادين، والمؤمنة بأن القدر «الصدفة» إله واحد من دون الله.

هذا وإن في اليهودية مترادفين، في العقيدة يتفقان ويختلفان: يتفقان في عدم إيمانهما بالرسل والكتب من الديانات الأخرى «محمد وعيسى والقرآن والإنجيل»، ويختلفان في أن أحدهما يقول إن عزير هو ابن الله. والآخر يقول لا إله إلا الله موسى رسول الله. وبهذا تبطل عقيدة اليهود في الشمولية.

وأما شمولية الإسلام من ناحية الزمان والمكان، فإن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، وأحكامه سارية باختلاف الزمن والموقع، وهذا دون غيره، وبالنسبة لتاريخ كتابة الإنجيل فإنه غالبًا ما يحدد في الفترة المبكرة من 65- 75م. ويعتقد كثير من العلماء أن ما كتب في الإصحاح «13» قد سطر بعد عام 70م. وأما عن مكان الكتابة، فإن المأثورات المسيحية لا تسعفنا، فإن بعضهم يقول روما، ويقول آخرون مصر، وقد بحث أحدهم داخل الإنجيل نفسه فطرح بعض الأماكن المقترحة، مثل أنطاكيا لكن روما هي الأكثر قبولًا(4)، ومن هذا يتضح أنه لا أحد يعلم من هو مرقس كاتب الإنجيل، ولا أين كتب، ولا متى كتب.

وأما عن شمولية الإسلام من ناحية الروح والجسد فهذا يظهر في تفسير السعدي لقول الله تعالى: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا» أي: عدلًا خيارًا، وما عدا الوسط، فأطراف داخلة تحت الخطر، فجعل الله هذه الأمة وسطًا في كل أمور الدين، وسطًا في الأنبياء، بين من غلا فيهم، كالنصارى، وبين من جفاهم، كاليهود، بأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك، ووسطًا في الشريعة، لا تشديدات اليهود وآصارهم، ولا تهاون النصارى. وفي باب الطهارة والمطاعم، لا كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، ولا يطهرهم الماء من النجاسات، وقد حرمت عليهم الطيبات، عقوبة لهم، ولا كالنصارى الذين لا ينجسون شيئًا، ولا يحرمون شيئًا، بل أباحوا ما دب ودرج. بل طهارتهم أكمل طهارة وأتمها، وأباح الله لهم الطيبات من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح، وحرم عليهم الخبائث من ذلك، فلهذه الأمة من الدين أكمله، ومن الأخلاق أجلها، ومن الأعمال أفضلها. ووهبهم الله من العلم والحلم، والعدل والإحسان، ما لم يهبه لأمة سواهم، فلذلك كانوا «أُمَّةً وَسَطًا»(5).

إذن فاليهودية كانت أقرب إلى الجسد من الروح، بينما النصرانية العكس لأنها كانت بعد اليهودية التي سيطر على متبعيها الحياة المادية، فكانت أقرب إلى الروح من الجسد، وأما الإسلام فأعطى كل ذي حق حقه، ولم يغلب أحدهما على الآخر، وهذا متطلب الوقت.

إذن فالإسلام بشموليته قد نجح في تخطي تلك الأديان، والإثبات بأحكامه أنه أولى بالاتباع من تلك الديانات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد