عندما تتشرب أنفسنا الانتماء لطائفة معينة ويستبطن لاوعينا الانتساب لتلك الطائفة، فإن المساءلة العقلية تغيب حول حقيقة ذلك الانتماء، بل إننا قد نخلف الموعد مع كل متطلبات وشروط الانتماء ومع ذلك لا نسقطه عنا ونفتخر به ولا يخطر ببالنا أن نكون خارج الفئة التي طالما نسبنا أنفسنا إليها… يمكن أن نطلق على مثل هذا وهمَ الانتماء، وقد يكون انتماءً لجماعة أو حزب أو فكرة أو مذهب، والخطير في هذا أن صاحب الوهم، بخلاف غير المنتمي أصالةً العالمِ بعدم انتمائه، يصعب أن يذكِّر نفسه بمتطلبات الانتماء بل قد يدعو الآخرين لما ينتمي إليه ويرى بعين الازدراء والتطفيف غيرَ المنتمين…

من أنواع وهم الانتماء هاته يمكن الحديث عن وهم التدين أو الانتماء لطائفة معينة من المتدينين، وربما بوسع المثالين التاليين أن يُجْلِيَا شيئًا من هذا الوهم:

(الأول): لا شك أننا نلمس في أنفسنا شيئًا من التوثب والنشاط والرغبة والاستعداد للركض والقفز إذا كنا نلبس لباسًا رياضيًا ونعالًا رياضية، كما أننا نحس بشيء من الهيبة واحترام الذات وطابع الرسمية ونحن نرتدي بذلة رسمية مع ربطة عنق وحذاءً ملمعًا بعناية… على نفس المنوال، قد يُخَيَّل إلى صاحب اللباس “الشرعي” وفق ما نقلته لنا السنة النبوية الشريفة من تقصير الثوب ولونه، وكذا من سمت المسلم من لحية وسواك وغيرها، أو ما يخص المرأة من حجاب أو نقاب، قد يُخيّل إليه أن هذه الأشياء (المهمة والجيدة في ذاتها) وحدها، من خلال لاوعيه، تضعه في صف المتدين وفي معسكر المؤمن، صارفةً له بشكل لاشعوري عن مساءلة نفسه حول جوهر التدين ونواته، حول الإيمان الذي قد يزيد أو ينقص كثيرًا وهو محافظ على هذا السمت وهذه الهيئة، حول إيمانه الذي يخاله في مستوى معين بسبب غشاوة السمت والشكل بينما هو في مستويات أدنى بكثير على الحقيقة… بل قد يدفعه هذا الوهم لازدراء الآخر الذي قد ضيع من السمت ما ضيع هو أكثر منه وأجلّ من الجوهر..

(الثاني): الانتماء للحركة الإسلامية عمومًا بما يكتنفه من قربٍ وصلة بالوجوه الدعوية المعروفة، وقربٍ من إخوان الحركة ودوام الاتصال بهم، وعملٍ تربوي تطوعي ومشاركة في الفعاليات والملتقيات، بل حتى اهتمامات المنتمي الموسيقية (الإنشادية) ونوعية البرامج والشخصيات التي يتابعها والرصيد الانتمائي التاريخي الطويل، كل تلك أشياء قد تكرس في عمق لاوعيه انتماءً مزعومًا وتترُّسًا في صف الأخيار يحجبه عن مساءلة نفسه حول حقيقة إيمانه، وصلابة تقواه، وفعلية جهاده للنفس وبذله من أجل الدين والأمة… فقد يتوهم هذا المنتمي أن مجرد وجوده بجانب هؤلاء كافٍ وموفٍ بثمن التواجد في مقام عال عند الله، قد يتوهم دون أن يعقل توهمه ذاك ويَعِيَه، قد تسوء أخلاقه كثيرًا وهو لا يستشعر أي مشكل لأن حجاب الانتماء يبعث رسائل للدماغ تفيد أن تديُّنَه بخير…

تغيب المؤشرات الحقيقية الدالة على التدين وتخبو… تغيب فترات المساءلة النفسية الواعية والمحاكمة العقلية حول مدى التزامنا بمقومات التدين ومدى توطن أنفسنا في مدار متطلباته وشروطه… نترك للاعتقادات المسبقة وللإرث الشكلي أن يصوغ فكرتنا عن انتمائنا وعلاقتنا بالله… ربما قد يفسر هذا شيئًا من الفرق بين المسلم إرثًا وبين المسلم الذي قضّى ردحًا من عمره في غير الإسلام، فقد نكون أحيانا محظوظين بالولادة في بيئات ومجتمعات مسلمة أو قريبين من جماعات أو حركات معينة، ولكن كثيرًا ما تكون الضريبة أغلالا تحجم عقولنا عن التساؤل حول المسافة بين إسلامنا والإسلام، بين ما نعتقد أنفسنا عليه وبين ما هي عليه فعلا وحقيقةً، بخلاف من يأتي من خارج دائرة الانتماء متحررًا من تلك الأغلال..

الحل بطبيعة الحال هو حمل النفس على عرض سلوكها وأفكارها دومًا على مرآة المَعين الأول: القرآن الكريم والسنة المطهرة… الحل هو أن يكون للجوهر وزنه الحقيقي وللشكل وزنه الحقيقي على أهميته، أي عند رؤيتنا لأنفسنا أن نفرق ونميز بين ما هو من القشور وما هو من الماهية واللباب… الحل هو أن نحاول ألا نرى تديننا وعلاقتنا مع الله عبر قنوات الرصيد الانتمائي الزمني والشكلي، ولكن عبر شروط الانتماء ومقوماته ومتطلباته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد