ترددت كثيرًا هل أستخدم كلمة التدين أم الالتزام لكنني آثرت كلمة التدين لكثرة ترددها هذه الأيام على ألسنة الذين لا يفهمون معناها جيدًا، وعلى أقلام أصحاب نظرة قاصرة عمموا وخصصوا في هذا المفهوم حتى أخرجوه عن حقيقته.

فتجد ناقمين محاربين، وتجد محبين مدافعين، والبون بين هؤلاء وهؤلاء وبين التدين الحق بون شاسع.

وقبل الإجابة عن هذا التساؤل لا بد من معرفة مفاهيم كلماته.

– فالحكم على الشيء فرع عن تصوره.

– وتصديق القضية لا بد أن يسبقه تصور لها.

التــديــن

قد يعتقد البعض أن التدين هو المحافظة على الصلوات في وقتها وأن المتدين هو الذي يتردد على المساجد يومًا تلو آخر، وصيام نهار وقيام ليل، وتمتمات يتمتمها المتدين جُل وقته. أو أنه مظهر يلتزمه المتدين أو المتدينة في مظهرهم وملبسهم.

والحقيقة أن هذه الأمور في ميزان الدين إنما هي مظهر لمحور من محاور التدين الثلاثة.

– فمحوره الأول: ينظم علاقة المتدين مع خالقه؛ حق الخالق على المخلوق، عبادة لا إجبار فيها ولا تقييد، بل كمالها أن تصدر من قلب حر مختار، ويزداد الأجر بازدياد حرية صاحب العبادة في إتيانها.

* تلك هي فلسفة (أرحنا بها يا بلال).

– ومحور آخر: ينظم علاقة الإنسان مع نفسه وهدفها أن يصل المرء بنفسه إلى الكمال الإنساني، من علم ومعرفة، من خلق كريم وترقية، من عدم إيذاء لنفسه أو جسده أو روحه.

* تلك هي فلسفة (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).

* تلك هي فلسفة (تحريم الدين للانتحار).

– ومحور ثالث: ينظم علاقة الإنسان بالمجتمع من حوله، الزوج بزوجته والأب بأبنائه، الإنسان وأخيه الإنسان مهما اختلف دينه أو لونه أو جنسه.

والهدف منها؛ أن يجعل من المتدين عنصرًا بناءً في المجتمع، يحترم أخاه الإنسان، ويقف عند حدود حريته، يقدم له المعونة، يكون إيجابيًا لأقصى درجة في هذا المجتمع.

* تلك هي فلسفة (إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها).

محاور هي بمثابة (خرائط ذهنية) للمتدين في متاهات الحياة، هي نبراس للمرء في مدلهمات الدنيا.

تلك هي محاور التدين التي إن وجدت في شخص فهو المتدين حقًا، ومن فقد أحدها فقد لتدينه وصار تدينه مغشوشًا.

الحـرية والسـجن

أما الحرية فالقصور الذي لحق بعض الناظرين إليها أكبر من قصورهم في فهم التدين، فإن كان قصورهم في فهم التدين أن أطلقوه على بعض مظاهر أحد محاوره فإن قصورهم في فهم الحرية جعلهم يطلقونها على نقيض حقيقتها.

– البعض يرى الحرية في المخالفة، مع أنه لا يسمح لغيره بمخالفته.

– البعض يرى الحرية في العري، مع أنه لا يرى حرية المتستر في تستره.

– البعض يرى حريته لا حدود لها، مع أنه يرسم حدودًا لحرية غيره.

– بل البعض يرى الحرية في تلبية رغباته وفعل ما تمليه عليه أهواؤه دون أن يحق لأحد أن يتضجر أو أن يعترض، والعجيب أن هذا هو السجن في أسمى معانيه، والعبودية في أظهر صورها!

رُؤى جمعتها النظرة الشخصية الخارجية، وأغفلوا أن الحرية تنبع أولًا من الداخل، حتى تظلل الفرد والجماعة.

الحرية: هي التحرر من القيود التي تكبل طاقات الإنسان وإنتاجه سواء أكانت قيودًا مادية أو معنوية.

الحرية: إمكانية الفرد دون أي جبر أو ضغط على اتخاذ قرار أو تحديد خيار.

الحرية: التحرر من الإلزام بأفكار وعقائد معينة، وليست التحرر من الأفكار والعقائد.

– إذا عرفنا الحرية بمفهومها الحقيقي لأبصرنا السجون التي تحيط بنا قضبانها من كل ناحية، فليست السجون مقصورة على ذوات القضبان الحديدية، هناك سجون أخرى، تختلف أنواع قضبانها لكن السجون تبقى سجونًا.

سجون قضبانها الشهوة، وسجون قضبانها الجشع، وسجون قضبانها الخوف، وسجون قضبانها الطمع والكِبر، وغيرها من أنواع السجون التي تحيط بالناس من كل مكان وهم يظنون أنهم أحرار!

هل هناك فعلًا حرية مطلقة؟

إذا تتبعنا حياة الإنسان في هذه الدنيا ذات السنن الكونية المحددة استطعنا – ولو تجوزًا – أن نشكك في وجود هذه الحرية المطلقة فالإنسان لا يخلو من قيد أو خضوع.

الحب قيد، والكره قيد، والغضب قيد، وكونه مخلوقًا متغيرًا قيد وسجن في حد ذاته لسنن الحياة الدنيا.

فإن لم يكن هناك بد من خضوع وسجن – مجازًا – فالدين قد اختار نوعًا من القيد يفك به أسر المسجون، قيد يُعلي شأن صاحبه ويفك به أسره.

فتقييد المسجون بالحرية تحرير، وتقييد الجاهل بالعلم تعليم – ذلك إن جاز تسمية ذلك بقيود.

قيده بالخضوع للحق بالتقيد بالعدل حتى في أخص خصوصيات قيده – الزواج – لم يرض الدين لصاحبه أن يأسره جمال فان أو مال ذاهب، أو حسب كاذب أو حتى مظاهر دينية جوفاء. بل قال (فاظفر بذات الدين) وقال (إذا أتاكم من ترضون دينه وأخلاقه فزوجوه) – يقصد الدين بمحاوره الثلاثة.

وإن كان البعض قد رضي بالأدنى من ذلك، ووافق على الخضوع لما هو أقل.

من الحـر ومن المسجون؟

هل يجد غير المتدين الحرية في حياته؟ هل يجد الواقعُ في الحرمات من نظر وقذف وانحلال وظلم وجور وكِبر وأكل للحقوق نفسَه حرًّا؟!

ألم يبصر قضبان الشهوة من حوله؟! ألم يشعر بسوط النزوة على ظهره؟! ألم يحس بالطوق حول رقبته يجره به سيده – من مال وجسد ومنصب وشهوة – حيث شاء؟!

هل تجد المتبرجة العارية نفسها حرة أمام أنظار البشر حولها – إن صح إطلاق البشرية عليهم – هل هذه شيم الأحرار؟! أن يكون جسدك مشاعًا للجميع؟! هل تظنين أن هذه النظرة نظرة إعجاب وتعظيم؟! أو أن الناظر إليكِ أمير حر!

كلا. إنما عبد – لشهوته – نظر إلى أمة لم تُصن.

هل تجد من يذهب إلى صلاته وصيامه وزكاته عبدًا؟

يذكرني هذا بأولئكم العاطلين القاعدين في المقاهي فإذا رأوا عاملًا ذاهبًا لعمله تغامزوا فيما بينهم وقالوا انظروا لمن استعبده العمل، لمن سجن في شغله!

إنما أنتم من خضعتم للكسل، أنتم من استعبدكم الضعف والعجز.

انظر إلى عبد أسرته شهوته، وسُجن خلف قضبان نزوته، تحَكم فيه الهوى، وضُرب بسياط الملذات قصيرة المدى، فانصاع وراء جمال كاذب، ولهث خلف مال فانٍ، وعمي أمام حسب زائل.

أين هو ممن أرادت الشهوة أن تحكمه فحكمها، وأرادت النزوة أن تسجنه فحطم قضبانها، وأرادت الملذات أن ترغبه وترهبه فقطَع سياطها، ما انصاع وراء فان، ولم يلهث خلف سراب.

فمن الحر ومن المسجون؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التدين
عرض التعليقات
تحميل المزيد