قال لي بين كندا وجدة تعلمت الكثير لقد جددت فكري ولم أتحنط أو أتكلس، نحن في حالة وهن عام كيف نبحث عن حل ونحن أزمة؟ كيف نوقع الإسلام في مآزق عديدة ونحن ندعي حمايته؟

لن نستفتح أي عصر قادم دون الإجابة والبحث عن جذر الأزمة التي سلمتنا إلى راهن منكسر، ومن دون التحديق في فضائنا المعرفي السابق وتخومه ومساربه ومساراته وأفلاكه فلن نستوعب المشهد الحالي، ولن نتخلص من الأجواء الكالحة وما يكدرها وكدرها في السابق، إن الوعي بالسابق هو مفتاح الحاضر واللاحق.

وعلى الرغم من أن عالمنا العربي والإسلامي مسكون بأزمات السطح، (فقر وجهل ومرض وانعدام المستوى المعيشي اللائق) إلا أن ثمة أزمات أعمق أو هي في العمق وتتمظهر في (الشرعية السياسية، الاحتراب الديني، الطائفية المذهبية) .

 

ولكن ثمة عمق العمق لكل هذه الأزمات السطحية والعميقة تختصر في أزمتين: (السلطة السياسية، والمسألة الثقافية).

سلطة مطلقة أودت إلى مفسدة مطلقة، وأهانت الجميع، وركعت وجوعت وطوعت الكل، وصاغت الثقافة التي تسير في خطوط إجبارية نافقْ أو وافقْ أو فارقْ.

إن تأجيل البحث في المسألة الثقافية أدى إلى نمو وانتشار الأفكار الميتة التي تفتقد إلى منطق الحياة، وأثمر تراكمات معقدة تحول فيها المدنس إلى مقدس والاجتماعي إلى ديني والديني إلى مغيب،وكان وما زال سبب التأجيل العصى السلطانية الغليظة، إننا وبصراحة منذ استشهاد علي بن أبي طالب ونحن نغط في سبات عميق من الأزمات السياسية المقتحمة أمان الناس بالأمن الإكراهي والتي شرعنت كل فساد.

 

يقول الإمام محمد رشيد رضا :

(في سنة التغلُّب وعواقبها وإفساد الأعاجم لحكم الإسلام العربي فتح معاوية للأقوياء باب التغلب فأقبلوا إليه يهرعون، ولم يثبت ملك الأمويين معه قرنًا واحدًا كاملًا، ولما كان الإسلام قد أبطل عصبية العرب الجنسية، احتاج العباسيون أن يستعينوا على الأمويين بعصبية الأمة الفارسية، وكان للزنادقة والمنافقين من هؤلاء مكايد خفية، يريدون أن يديلوا للفرس من العرب، وللمجوسية من الإسلام، ولأجلها بثوا في المسلمين التفرقة بالغلو في آل البيت توسلا للطعن في جمهور الصحابة ليفرقوا كلمة العرب ويبعدوا بهم عن أصول الإسلام الشوروي (الديمقراطي) وينشئوا فيه حكومة (أتوقراطية) مقدسة أو معبودة، بجعل رئاستها لمن يدعون فيهم العصمة من بيت النبوة، ليسهل عليهم بذلك إعادة الكسروية والمجوسية) ا. ه كتاب الخلافة ص ١٤٥).

لقد سيطرت السياسات الخاطئة على الحكم برمته فخربت العالم والعلم؛ والدين أيضًا، الدين بوصفه (النص المقدس) لا يشتغل ويشغل محركاته إلا من خلال الفهم، والاعتراف بالذنب فضيلة كما يقال، وقع الفهم الإسلامي في الغالب في مأزق كبير فقد حوصر من ثلاثة سيوف: السيف السياسي والسيف الاجتماعي والمنهج البحثي!

 

السياسة أفسدت الدين في ثلاثة محاور: (الجهاد، والولاء والبراء، والتكفير).

كما أطرت الفهم وحجمت النشاط الحيوي للدين من (خلاص مجتمعي) إلى (صلاح فردي) ومن (شعائر جماعية إلى طقوس اجتماعية).
كما ضغط اللاعب السياسي على الدين فأجهز على (أسئلة الحرية، والمساواة والعدالة الاجتماعية وشرعية الحاكم ومحدودية سلطته) وفضل كثيرون من المتدينين الحذر عن الاقتراب من هذه المساحات .

أفرز انسحابُ الدين من الميادين الحساسة تمددَ الأعراف الاجتماعية المطاطة، وسيادة التقاليد والأفهام المحنطة، والأجوبة السهلة فوق الجميع، وتم اقتلاع أي فكر يحاول الخروج أو التملص من رهق السياسي الخارق ولظى الهوى الاجتماعي الخارق. وأما المنهج البحثي فقد كان قاصرًا يعتمد على الاستنساخ الدقيق وليس الاستنتاج العميق… لقد قام في الغالب على الرواية وليس الدراية .

الدين الذي يحث أن تكون في الصف الأول من المصلين، والصف الأول كما فسره أستاذنا العلامة المجدد جمال السيروان ليس الصلاة فحسب، إنما المقصود في الصف الأول في الفكر، في الصف الأول في العلم، في الصف الأول في الوعي، في الصف الأول في حمل المهمات، في الصف الأول في إعانة المؤمنين.

ولكل من أراد الزحف، والزحف ليس كما تظنون، منوط فقط بحمل السنان إنما الزحف يكون بحمل اللسان، فمن أراد أن يكون بعيدًا عن الزحف، بمعنى أن يكون متخليًا عنه، فهو فار منه، فأنا أفهم الزحف بمعنى شمولي عام.
ليس الزحف قاصرًا على الحمل بالسنان

إنما الزحف باللسان والزحف بالبنيان والزحف بالقرآن، وجاهدهم به جهادًا كبيرًا، إنما الله تعالى عبر عن تعليم القرآن بالجهاد وجاهدهم به جهادًا كبيرًا، فالقرآن إنما هو جهاد في سبيل الله وزحف في سبيل الله ولعل كلمة واعية خير من ألف سيف شهير.
إنما الكلمة الواعية التي تدعو الأمة لأن تتنبه لما هي عليه من أخطاء، إنما لها تلكم الأسرار ولها تلكم الأنوار، التي تشرق في أنفس الناس.

إن هذا الجمال الشامي المتدين يحاول استعادة المبادرة إلى الدين وتشغيل الوعي ولفت النظر إلى جذر الأزمة التي هي ثقافية محضة،لن نتقدم دون تفكير في مكونات العقل …
إن مما علمني الشيخ الفاضل هو ذلك المنهج :
كيف نفعل النص ضمن الضوابط وفي المسارات المقررة في مقاصد الشرع. وما زلت أذكر نصحه عندما قال لي: سَنَن افتقدناها فأفسدت العقل والحياة والدين سَنَن البناء المعرفي المبتعد عن مجرد القيل والقال والتقديس لكل ما قيل.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد