«الشعب المصري شعب متدين بطبعه»، عبارة سمعناها كثيرا عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير جهر بها التيار الإسلامي مخاطبًا الجماهير المصرية مسلميها ومسيحييها، وفي وجهة نظري كانت هذه العبارة محض دعاية سياسية استخدمها التيار الإسلامي لإثارة العاطفة الدينية عند الناس، لكن هل هذا يجدي وحده؟

يقول روبرت جرين ضمن قواعده للسطوة «لا تناشد في الناس العطف أو رد الجميل لكن استدرجهم بمصالحهم».

قال أحد «المواطنين الشرفاء» -الذين كانت تستعين بهم الشرطة لضرب المتظاهرين- لصاحبه وهو يشير إلى أحدهم «هذا إخواني أنا أعرفه» فرد صاحبه «وكيف عرفت؟» قال المواطن الشريف لقد كان يعطي لأمي أموالا ومساعدات.

إن عملية روحنة السياسة التي دأبت الحركات الإسلامية جميعها على ترسيخها والتأصيل لها على مدى عقود ما تلبث أن تتحطم بين تلاطم أمواج العراك السياسي وظهور أولى بوادر الهزيمة.

نعم سيصفق لك «الناس» إذا حققت لهم المنفعة، ففى إحدى دورات الانتخابات التركية أعدت بعض القنوات الفضائية تقريرًا مصورًا شاهدته حينها، كان جواب الغالبية أنهم سوف يصوتون للعدالة والتنمية وكانت أسبابهم جميعها مادية بحتة فهو الذي صنع لهم تقدمًا حقيقيا وغير الحياة في تركيا، بل بعضهم انتقد «الدين والتدين» بينما يمدح العدالة والتنمية الإسلامي.

لن أتحدث عن الممارسة العملية للدين التي تخالف تماما الكلام والادعاء بالتدين، فالانحطاط الأخلاقى للمجتمع أمر مشاهد للجميع، ومن ناحية أخرى فالنهم الذي أظهره شيوخ السلفية حيث سارع كل شيخ لإنشاء حزب مع مريديه واضح للعيان, ولا يرتبط الأمر بالفشل الذي مني به التيار الإسلامي عامة، ففشله الحالي في إنتاج نظام للحكم يشابه المشروع التركي أو حتى على غرار الثورة الإيرانية أو التجربة الماليزية، فهذا بفعل عوامل كثيرة منها ما هو في صميم هذه الحركات ومنها ما هو خارج عن إرادتها.

يمكننا القول بأن جميع البشر متدينون بطبعهم، فالإنسان بحاجة إلى تلك القوة الروحية التي يستمد منها قوته وسلوته وأمله وسعادته، وأثبتت الدراسات النفسية الحديثة أن الإنسان بحاجة إلى «الله» كي يقهر أمراضه النفسية.

يقول المؤرخ البريطاني آرنولد توينبي: «الدين أحد الملكات الضرورية الطبيعية البشرية، وحسبنا القول بأن افتقار المرء للدين يدفعه إلى حالة من اليأس الروحي، تضطره إلى التماس العزاء الديني على موائد لا تملك منه شيئًا».

لم يخل زمن من الأزمان لم يعبد البشر فيه «إله» أيا كان نوع هذا الإله فعند غياب الدين السماوي يبحث الناس عن أديان أخرى قد تتعارض مع أبسط قواعد العقل والمنطق ولكنها توجد.

وكما ذكر بعض المؤرخين بأنه في كل الأمم والحضارات قد تخلو حياتهم من العلم والآلآت وغيرها من وسائل المدنية لكنها لا تخلو من «المعبد».

حينما تعصف بالإنسان نوائب الدهر وتضيق عليه الأرض بما رحبت وكما قال تعالى «لقد خلقنا الإنسان في كبد» -فهي سنة كونية منذ خلق الإنسان إلى قيام الساعة-، لن تجد نفسه الحائرة سوى اللجوء إلى الإله تدعوه وتناجيه وتتضرع إليه بحاجتها.

إن القوة الروحية والسعادة والأمل والحصول على المال والشهرة وغيرها من المعاني التي تدب في نفس الإنسان فتحول حياته وتمكنه من اجتياز عثراته ومن النجاح واستشراف الغد هي «الدين» الحقيقي لدى الكثيرين على اختلاف أديانهم وألوانهم.

ما يلبث الإنسان بعد أن يحصل عليها أن ينقلب ويتقلب في عبادة الآلهة الأخرى كما قال تعالى {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65]

وقال تعالى {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ}. [الزمر: 8]

وقال تعالى {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ 40 بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ}. [الأنعام:40- 41]

الدين أفيون الشعوب

تلك العبارة الشهيرة التي ذكرها ماركس في مقال بعنوان مساهمة في نقد فلسفة الحق عند هيجل والتي ترجمتها «إن الشقاء الديني هو تعبير عن الشقاء الواقعي، وهو من جهة أخرى، احتجاج عليه, الدين زفير المخلوق المضطَهَد، قلبُ عالم لا قلبَ له، كما أنه روح شروط اجتماعية لا روحَ فيها؛ إنه أفيون الشعب».

انتقد ماركس «الدين» لمّا وجده عقبة في طريق مذهبه الجديد، ليس هذا فحسب، بل في طريق أي تغيير، فقد استغل رجال الكنيسة الدين في تخدير الناس وتحويلهم عن الاهتمام بالشأن العام عن طريق الوعد بحياة أفضل في الجنة، فهؤلاء المضطهدون لا يجدون لهم عزاء إلا في الدين.

الحاجة الروحية والمادية

إن العبارة الأهم التي في مقال ماركس الشهير السابق من وجهة نظري «أن الإنسان هو الذي يصنع الدين، وليس الدين هو الذي يصنع الإنسان»، إن غالبية الناس يتعبد إلى الله لحاجته الروحية والمادية، فهو في الحقيقة إنما يرجو المنفعة من وراء تلك العبادة.

تلك الصورة النفعية للدين قابعة ومتجذرة في أعماق الإنسان، فمعظم الشعوب دخلت في الدين من هذا الباب وما سواها تبع، فمؤرخو الغرب يعزون دخول أوروبا المسيحية من «الخواء الروحي» الذي ساد في تلك الفترة وملل الناس من عبادة الإمبراطور وبحثهم عن أديان تشبع نهمهم الروحي، وهذا أيضا منفعة ولا شك أن الأديان تتصارع في عقول وقلوب البشر.

فنظر الرومان إلى عبادة الإمبراطور على أنها أمور شكلية مما دفع المتعلمين منهم إلى الاستخفاف بالعقائد السائدة في ذلك الوقت من يونانية ورومانية، وفي وسط هذا الفراغ الديني الكبير لم يجد أهالي الإمبراطورية وسيلة سوى الاتجاه شطر العقائد الدينية المختلفة المستوردة من الشرق مثل ديانة «سبيل» وديانة «متراس» وديانة «إيزيس» وأخيرا المسيحية، والتي غلبت في النهاية لصدقها.

ولقد حاربت قريش الإسلام في المقام الأول بسبب خطر الإسلام على مصالحهم الخاصة من تجارة ورياسة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتألف بعض الناس بالمال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التدين, الدين, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد