هل تعرف ما هو الشذوذ؟

حين نقرأ هذه الكلمة يتبادر إلى ذهن أغلبهم مسألة واحد، ألا وهي الشذوذ الجنسي، وكأن الشذوذ فقط جنسي؟

الشذوذ لغويًا: ابتعاد عن الوضع الطَّبيعيّ، انحراف عن القاعدة أو الشَّكل أو النِّظام المتعارف عليه أو الشّائع.

وأنا هنا حين وضعت عنواني للمقال، ليس عبثًا وليس لجلب القراء، بل هو مبني على حقيقة، الكل متفق عليها، ألا وهي الشذوذ، يعني انحراف عن الشكل، أو النظام، أو حتى المنطق المتعارف عليه.

التطرف هو ماعنيته بالشذوذ الديني هنا.

قبل أن أخوض غمار هذا الموضوع الشائك، وقبل كل شيء يجب أن أضع حقيقة واحدة، وهي:

إن التطرف الديني يبدأ بتطرف الفكر، وتأويل المنطق ليصب في مصلحة أناس لهم غايات وسياسات، وهذه الجماعات أو التيارات أو أيًا كان اسمها هي في الأصل تخدم دولًا أو منظمات لها أجندة خاصة في السيطرة على أكبر قدر ممكن من الناس في دولة ما لتصبح المستبد والمتحكم الوحيد في فكر ومقدرات تلك البلدان. وذلك كله يتم من خلال أسمى شيء ينتمي إليه الناس، وهو الدين.

وتتم السيطره عن طريق غسل أدمغة مجموعة معينه من الشباب المتعصب لدينه، وتكون الحلقة الضيقة، وبعدها، ومن خلال هؤلاء الشباب، وباعتبار أن لدى أكثرهم الميول لحب القياده وإبراز الأفكار. تتم عملية استدراج أكثر عددًا منهم؛ ليمتد هذا الفكر إلى عائلاتهم وأصدقائهم، وبالتالي يكون الانتشار أوسع وأعم. 

وحتى أكون منصفًا في حديثي عن التطرف الفكري أو الديني، فهو لا يقتصر على الإسلام والمسلمين، ولكن لأن المسلمين يميلون للتعصب وعدم السماح لأي كان أن يناقشهم حول معتقدهم أو دينهم، أصبح من السهل بث الأفكار المتطرفة في هذه الأرض الخصبة.

فلو عدنا بالزمن للماضي، وعند بدء الخليقة وبالتحديد عند قتل قابيل أخاه هابيل فقط؛ لأن قابيل كان لا يقبل بالمجادلة أو الاستماع للآخر حتى لو كان رأي الآخر صوابًا، فقد كان القتل سببه عدم تفهم أبيه الذي أراد أن ينفذ حكم الله، ويزوج تؤام قابيل لهابيل وتؤام هابيل لقابيل.

إذًا هذه واحدة من أشكال الشذوذ الفكري، وعدم تقبل الآخرين مهما كان رأيهم صوابًا.

ومن قصته مع الغراب الذي علمه كيف يواري سوءة أخيه ندرك حقيقة واحدة، ألا وهي أن الإنسان متلق جيد وتلميذ مجتهد، إذا توفرت له أدوات التعلم. إذ ليس من المعقول أن حيوانًا يعلم الإنسان كيف يفكر بطريقة للتخلص من جسد أخيه ودفنه مع حقيقة حقده وغله.

 إن من يبث مثل هذه الأفكار في مجتمع يلتمس السلام، وهمه الأوحد أن يكون إنسانًا ذا قيمة، هو حيوان، بل شيطان ينمي فيهم روح الشر والتطرف وإقصاء وتهميش الآخر، حتى لو كان الثمن قتل الآلاف من البشر.

التطرف يبدأ بفكرة، ومن خلال هذه الفكره يتم زرع الأوهام والتعاليم في عقول من يتبعونهم بحجة أن الله يريد منكم أن تنصروه، وكأن الله ينتظر نصرة هذه العقول المتحجرة وقلوب كحجر الصوان.

لنتكلم قليلًا عن أوربا

ففي دول أوروبا كان الصوت الأعلى، والكلمة النافذة، هي كلمة التيارات الدينية، وكان كل شيء تحت سلطة الكنيسة، فبعد سقوط روما أصبحت البابوية مصدرًا استمراريًا للسلطة، وسيطرت على المسائل العسكرية أيضًا.

وبحلول القرن الحادي عشر كما قرأت على ويكبيديا ومن خلال جهود غريفوري السابع .نجحت الكنيسة بتأسيس واعلان نفسها بأنها

(( كيان مستقل من الناحية القانونية والسياسية )) داخل المسيحية الغربية ،ومن هنا وبهذا الاعلان اتاح للكنيسة ان تكون قوة سياسية ولها تأثير كبير على المجتمع الغربي بالتحديد.فقد كانت قوانين الكنيسة وتشريعاتها القانون النافذ ويمتد تأثيرها حتى الى السلطات القضائية وحياة الشعوب في جميع انحاء اوربا مما اتاح لها سلطة بارزة ….

وخير دليل المذابح التي حصلت في الهند وغيرها من البلدان على ايدي المسيحيين المتطرفين كان سببها تطرف الفكر والعقيدة.

هذا بالنسبة الى التطرف والهيمنة الدينية في اوربا ولايسعني ان اشرح كل شيء لان شرحها بحق يحتاج الى مئات الصفحات ولكن اردت الاشارة فقط ان التطرف لا يقتصر على دين معين والتطرف في اوربا لازال موجود لحد الان ان كان فكريا او دينيا ولكنه يقتصر على بعض فئات المجتمع وليس الجميع .

وايضا خير مثال مايتعرض له المسلمين في بورما من تعذيب وقتل كل هذه الامور سببها شيء واحد رجال دين متشددين متطرفين.

ولعل أبرز ما هو موجود على الساحة الآن هو الشذوذ الديني والتطرف الفكري الأكبر ألا وهو تطرف الجماعات الإسلامية.

أدمغة تغسل وتجنيد أطفال بعمر الزهور ودس السم في عقولهم وإيهامهم أن التفكير والتفكر حرام، وهو من الكبائر، وأن عليهم الطاعة العمياء، والولاء المطلق لأي من تسمياتهم.

السيد – الشيخ – الواعظ – الداعية

وهم بدورهم من يفكر، لا أنتم، هذا هو الأساس الذي تبنى عليه قاعدة الهرم المتطرف.

نعم كان عنوان مقالتي: شذوذ ديني، إذ إنه ليس من المعقول أن من يقتل ويذبح ويُهجر أناس باسم الدين هو إنسان سوي، بالتأكيد إنه شاذ، ولكن هذه المرة شذوذه مبني على فكرة تلقاها من رجال يعتقد ويثق أنهم عارفون بأمور الدين والدنيا.

شذوذ وشذوذ وشذوذ

جهاد نكاح .. تجنيد أطفال .. سبي نساء .. ذبح .. إحراق .. إغراق .. والكثير الكثير. كل هذه الأفكار منبعها واحد، علماء وشيوخ ودعاة ظاهرهم متدين وباطنهم شيطان، يتبعون دينا ابتدعوه لأنفسهم، آيات تستقطع من القرآن لتخدم قضية ما، أو أحاديث سندها ضعيف، يقولون ما لايؤمنون به هم، وكل هذا لخدمة جهة معينة أو دولة تريد السيطرة والهيمنة في بسط نفوذها، دول عظمى تتصارع على النفوذ؛ لإبراز من هو الأقوى، ولكن خارج دولهم بأيدي متشددين ومتطرفين، بأيدي أناس بلا عقول من بلداننا، وأقولها بمرارة: أصبحنا عبيدًا.

نراها جلية وواضحة، إن النافذين في أمر الدين، وهم يَدعون أنهم أعلم الناس بالجهاد، وطرق العبادة، لايقاتلون بأنفسهم، ولا يزجون بأولادهم أو المقربين منهم في المعارك، بل تقتصر مهمتهم على القيادة والتوجيه من بعيد، وكأن الجميع في مسرح للدمى تعلقهم حبال الشيطان، وغياب الوعي والتفكير تحركهم يد الداعية أو الشيخ أو أيًا كان منصبه الديني.

نعم يجب أن يكون من الدعاة، وعلى وجه التحديد في الدين؛ حتى يتسنى له لف خيوط الكذب والتدليس حول ضحاياه،  وإغراؤهم بحور العين، وأنهار من عسل وخمر، وكأن الجنة هي دار للتمتع بالملذات الشهوانية.

مخدرات وسبايا هي حصة من يقاتل أعداء الله، ومنهم أعداء الله في نظرهم، لا أعلم، كل من خالفهم في الرأي أو الفكر هذا عدو الله، يجب أن يقام عليه حد، ويجب أن تنتهي حياته بلا محاكمة ولا دفاع، إن الحكم قطعي، إذا أهدر دمك، فأنت مقتول لا محالة.

صحافيون قتلوا لمجرد كلمة حق نطقوا بها، أقلام كسرت، وألسنة حق خرسها؛ لـأنها تخالف تعاليمهم هم، لا تعاليم دين أو منطق أو قانون.

أخيرًا، للجميع، وحسب اعتقادي المتواضع، فإن مثل هذه التيارات والجماعات يجب أن تحارب وبشدة؛ حتى نقضي عليها من خلال بث روح الحب والتسامح بين جميع البشر، فالحساب والعقاب بيد الرب وحده لا بيد بشر.

الله خلق الإنسان قبل الأديان، عش بإنسانيتك وفكر بعقلك لتنتج لمجتمعك ولأولادك شيئًا مفيدًا، حين يكبرون يفخرون به، لا يخجلون منه، ولا يبغضونه، فلا اكراه في الدين، فنحن بشر، خلقنا سواسية، كل له فكره، وكل له طريقه في الحياة، احتضني بحبك وعش معي بإنسانيتك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد