ظهرت أمريكا كمجتمع مهاجرين في بادئ الأمر، حينما هاجرت الجماعات البروتستانتية من أوروبا؛ سعيًا وراء ملاذ من اضطهاد الكنيسة الكاثوليكية: فقد دعت البروتستانتية إلى الإصلاح عبر تحرير الفرد من السيطرة المزدوجة للكنيسة ورجال الحكم المدني، وهو ما نجحت فيه حركة الإصلاح بصورة كبيرة، حيث حلت سلطة الضمير الفردية محل سلطة الكنيسة والبابا[1].

وكان من نتيجة رغبة هؤلاء البروتستانت في الإصلاح أن تم محاربتهم واضطهادهم دينيًا على يد الكنيسة الكاثوليكية، ومن ثمَّ سعى هؤلاء إلى الهجرة إلى أرضٍ جديدة؛ آملين في العيش وفقًا لمبادئ الإصلاح الديني (فصل سلطة الكنيسة عن الدولة – تعظيم قيمة العمل …) فكانت الهجرة إلى أمريكا في القرن السابع عشر[2]، وبما أن غالبية المهاجرين الجدد كانوا من البروتستانت، فقد سادت كنيستهم وانتشر مذهبهم، وهؤلاء البروتستانت كانوا متأثرين باليهودية تأثرًا مركبًا لاهوتيًا وتاريخيًا وسياسيًا، حيث أفرز هذا التأثير صبغة تعايش بين البروتستانتية واليهودية بقيت إلى الآن.

بل يقول العلماء إن حركة الإصلاح الديني البروتستانتي قد أدت الي تهويد المسيحية؛ وذلك نتيجة لدعوة لوثر البروتستانت إلى الاعتماد على التوراة والتلمود ككتب مقدسة في شئونهم الدينية؛ إمعانا في الخروج على السلطة الكنسية البابوية، وبالتالي حمل المهاجرون الأوائل إلى أمريكا مسيحية متهودة[3]، ومن تأثير هذه الرؤية أن رأى المستوطنون الجدد أمريكا كأرض الميعاد (أو الأرض الموعودة) التي وهبهم الله إياها بتدبيره وحكمته، فقد نجَوا من الاضطهاد الديني في انجلترا، وسَعَوا لبناء كومنولث مقدس متحررين من فساد بلدهم القديم الذي تركوه[4]، وأصبح الاعتقاد بالبعث اليهودي في فلسطين يشكل جانبًا مهمًا من اللاهوت البروتستانتي[5].

وكما يرى عالم الاجتماع الأمريكي “روبرت بيلا” إنَّ الإتجاه الديني قد انعكس في فكر رجال الدولة الأمريكية في وقت مبكر، وهذا ما نراه في خطب جورج واشنطن وجون أدمز وجيفرسون وروزفلت وكينيدي، فقد قام هؤلاء وغيرهم بربط الروح الدينية بخطبهم السياسية، فعلى سبيل المثال نجد في الخطاب الثاني لجيفرسون أنه قد شبه أوروبا بمصر، وأمريكا بأرض الميعاد، وأن الله قد اختار الشعب الأمريكي لنوع جديد من النظام الاجتماعي الذي سيكون النور لجميع الأمم[6]، بل إن الخطب السياسية المُعدة لاستلام منصب الرئاسة بشكل عام، والتي ألقاها جميع الرؤساء الأمريكيين حرصوا فيها على ذكر فضل الله وبركاته التي أحاط بها الأمة الأمريكية، وأن الأمة الأمريكية هي جزء من  )تصميم التدبير الإلهي)، بل إن الأمر تجاوز ذلك ليسمح لدولة تؤمن بالحياة المادية أن تضع حتى على عملتها الوطنية عبارة  )نؤمن بالله IN GOD WE TRUST)[7].

وكان من نتيجة تغلغل المكون الديني بالمجتمع الأمريكي الوليد، أن ظهر”الأصوليون المسيحيون” – والمعروفون سياسيًا باليمين المسيحي – من رحم البروتستانتية منذ بداية القرن العشرين، والذين يعتبرون أن كلمة الرب هي السلطة النهائية التي يجب أن يخضع لها كل مظهر من مظاهر الحياة بالمجتمع الأمريكي، وأن أي رؤية مُغايرة للكتاب المقدس تخرجه عن إطار العصمة والفهم الحرفي تُشجَب باعتبارها “حداثة”[8]، وفي سعيها للتطبيق الحرفي لنصوص الكتاب المقدس فإنها تعمل من أجل العودة الثانية للمسيح، وأن تؤسسَ مملكة الله في إسرائيل[9] ، وهكذا نشأ اليمين المسيحى بتصور مؤداه: أن أمريكا عليها تكليف إلهي بتحرير العالم من شرور الشيوعية، وتحرير أمريكا من أية لمحة تنم عن التراخي في أداء هذه المهمة[10].

وبهذا استطاعت الأصولية المسيحية البروتستانتية أن تدخل الحلبة السياسية، وذلك بانعكاس الفكر الديني لها في تيار اليمين المسيحي وذراعه السياسي المعروف باسم “المحافظون الجدد”، وهم المساندون الأقوياء لإسرائيل الذين يرون أنَّ الدعم الثابت لإسرائيل يجب أن يكون هدفًا مُطلقاً لسياسة أمريكا الخارجية، وأن اسرائيل وعاصمتها القدس يجب أن تكون قادرة على هزيمة أعدائها؛ حتى تكون قادرة على أن تعمل كمملكة الله، بل طبقا لقراءتهم للعهد القديم، فالوقوف ضد اليهود هو الوقوف ضد الله[11].

وهكذا نجد، أنه منذ أن تأسست دولة إسرائيل السياسية في الأراضي المقدسة دخل اليمين المسيحي المتطرف حلبة السياسة الخارجية، ومارس ضغوطًا مستمرة على الإدارات الأمريكية المتعاقبة لدعم الدولة اليهودية[12]. فالولايات المتحدة الأمريكية البروتستانتية دأبت على تنفيذ مخططات الحركة الصهيونية منذ القرن التاسع عشر، بتحويل فلسطين إلى وطن قومي لليهود أولا، وحاليا إلى دولة يهودية يطمح قادة إسرائيل في الحصول على الاعتراف الدولي بها[13].

فبالرغم من أن فكرة إقامة كيان يهودي في الأساس كان الفكر الرئيس لقادة الحركة الصهيونية، إلا أنهم ابتعدوا في البدايات عن توصيف الكيان بسمة دينية كالدولة اليهودية؛ لخشيتهم من رفض العالم لهذا الكيان، وبخاصة أن دول العالم حينذاك كانت تنحو نحو النمط القومي[14]، ومنذ ولادة إسرائيل عام 1948م وحتى عام 2007م لم يُظهر قادة إسرائيل أية إشارات ليهودية دولتهم، لكن الظروف الإقليمية والدولية المعاصرة حتمت على قادتها إعادة التفكير من جديد في تبني يهودية الدولة، ففي عام 2007م انعقد مؤتمر “أنابوليس” للسلام، والذي استخدم فيه الرئيس الأمريكي “بوش الابن” في خطابه الافتتاحي للمؤتمر مصطلح “الدولة اليهودية” في وصف إسرائيل، فقد تجمعت الظروف المساندة لفكرة يهودية الدولة، حيث تواجدت إدارة أمريكية يتزعمها المسيحيون الصهاينة، بالإضافة إلى أحداث 11 سبتمبر 2001م، وغزو القوات الأمريكية لأفغانستان واحتلال العراق، والانقسام على الساحة الفلسطينية، وغير ذلك من الظروف، والتي جعلت المشاريع والممارسات الإسرائيلية في تهويد دولتهم تتحول إلى تصريحات رسمية وقانونية ينص عليها في إسرائيل[15].

وتعتبر مسألة قضية يهودية دولة إسرائيل، التي طرحها قادتها في الآونة الأخيرة من خلال تصريحاتهم، تعد من أخطر القضايا المطروحة في منطقة الشرق الأوسط؛ لأنها تهدد مصير القضية الفلسطينية برمتها، وتنذر باندثارها تمامًا، وإفراغها من مضمونها، وستجعل من الفلسطينيين ومن دولتهم المنتظرة مجرد رقم ثانوي لا قيمة له في منطقة الشرق الأوسط[16].

ومن ثم فالحاجة ماسة فعلا إلى إمعان النظر فى هذه المسألة الحيوية، وأن يصرف الباحثون المصريون والمتخصصون والمهتمون بالشأن الفلسطينى، أنظارهم إلى دراسة قضية “يهودية الدولة في إسرائيل”، ولا سيما من خلال تركيز الضوء على الأساس الديني الراسخ في أمريكا، والدافع وراء مساندة إسرائيل ودعمها والاعتراف بها دوليًا كدولة يهودية.

_______________________________________________________________________________________________

[1] – عامر عبد المنعم ، الصعود الديني في الغرب وتأثيره على العلاقة مع العالم الاسلامي، سلسلة رؤى معاصرة، (القاهرة: المركز العربي للدراسات الانسانية ، د.ن)، ص 43.

[2]-نيل بالدوين، القيم الامريكية: المثل العليا التي شكلت أمريكا من عصر البيوريتان حتى الحرب الباردة ، ترجمة: احمد امين الجمل، (القاهرة: الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية، 2008 )، ص 16.

[3] – أحمد لطفى عبد السلام، الإنحياز الأمريكي لإسرائيل دوافعه التاريخية والاجتماعية والسياسية، (القاهرة: مكتبة النافذة، 2005)، ص62-63.

[4]– مايكل نورثكوت، الملاك يوجه العاصفة: أسفار الرؤيا والإمبراطورية الأمريكية، ترجمة: عبد الرحمن الشيخ، (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2006 )، ص16.

[5] – أحمد لطفي عبد السلام، مرجع سبق ذكره، ص 63.

[6]– Robert N. Bellah, Civil Religion in America, Journal of the American Academy of Arts and Sciences, from the issue entitled, “Religion in America,” Winter 1967, Vol. 96, No. 1, p. 10

[7]– عبد القادر محمد فهمي، العقيدة الدينية وأثرها في منهج التفكير السياسي للولايات المتحدة الأمريكية، مجلة العلوم السياسية ، بحث منشور على الإنترنت ، ص 27.

[8]– كيمبرلي بلاكر ، أصول التطرف اليمين المسيحي في أمريكا ، ترجمة: هبة رؤوف وتامر عبد الوهاب، (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية ، 2005)، ص57.

[9]– فراس المهتدي، البعد الديني في السياسة الخارجية، (الأكايمية الدولية السورية: المعهد العربي للشئون الدولية والدبلوماسية، 2009)، ص8.

[10]– جون ميكلثوايت وأدريان وولدريدج ، أمة اليمين قوة المحافظين في أمريكا، ترجمة: عبد الوهاب علوب، (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2007)، ص30.

[11]– محمد عارف، صعود البروتستانتية الإيفانجليكية في أمريكا وتأثيره على العالم الإسلامي، (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2006)، ص 159.

[12]– ريجينا الشريف، الصهيونية غير اليهودية جذورها في التاريخ الغربي، (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، 1985) ، ص 30.

[13] – أسامة محمد أبو نحل، يهودية دولة إسرائيل: جذورالمصطلح وتأثيره على القضية الفلسطينية ، (القدس: مجلة جامعة القدس المفتوحة للأبحاث والدراسات، العددالثالث والعشرون، حزيران 2011)، ص313.

[14] – المرجع السابق ، ص 298.

[15] – المرجع السابق، ص 322:315.

[16] – المرجع السابق، ص 294.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد