كان بعض الناس يعتقدون قديمًا أن الكون أزلي، وأنه أوجد نفسه بنفسه، ومع أن هذا الاعتقاد غير صحيح، إلا أننا نجد في عصرنا الحديث – عصر العلم والإبداع والرُقي الفكري – أُناس يتبنون هذا الاعتقاد الخاطئ. لكن السؤال الحائر هو: هل يستطيع أتباع هذا الطريق أن يردوا بالحجة والبرهان ما قرره العقل والعلم والدين من فساد هذا الاعتقاد وبطلانه؟

من الناحية الفلسفية، نجد أن تغير هذا الكون يُفضي بحدوثه، ناهيك عن أن العالم جسم، والحدوث من صفات الأجسام.

وأيضًا هو لا يخلو من حركة بعد سكون، وسكون بعد حركة، وهذه أعراض تبطل وتنعدم، فالحركة تبطل بالسكون والسكون يبطل بالحركة، فلو كانت الأعراض قديمة ما تصوّر بطلانها؛ لأن القديم «واجب الوجود» لا يتصوّر عليه البطلان والعدم.

كما أن العالم تعتريه الكثرة، والكثرة تؤدي إلى التركيب في ذوات أفراده، وهذا يقتضي بالضرورة الحدوث؛ لأنه يحتاج إلى مُركب يركبه.

ومن الناحية العلمية، نجد أن العلم بثوبه المتقدم قال بحدوث العالم؛ فالقانون الثاني للثرموديناميك (الديناميكا الحرارية) يثبت أنه لا يمكن أن يكون وجود الكون أزليًا، فهو يصف لنا أن الحرارة تنتقل دائمًا من الجسم الأكثر حرارة إلى الجسم الأقل حرارة، والعكس غير ممكن.

كما أن اكتشاف «الانفجار الكبير» في بداية الأمر كان مجرد نظرية، ثم ها هي تلبث لأن تتحول لحقيقة علمية تُثبت أن للكون بداية. ويقول الفيزيائي إدموند ويتيكر: «ليس هناك ما يدعو إلى أن نفترض أن المادة والطاقة كانتا موجودتين قبل الانفجار العظيم وأنه حدث بينهما تفاعل فجائي، فما الذي يميز تلك اللحظة عن غيرها من اللحظات في الأزلية؟ والأبسط أن نفترض خلقًا من العدم، أي إبداع الإرادة الإلهية للكون من العدم».

أما الدين، فقد جاء براية النور إلى الإنسان ليخرجه من الحيرة والظلمة إلى علو العقل ونور المعرفة حتى يصير إنسانًا كاملًا.

وبانتهاء الشرائع السماوية يقرر الإسلام سماحة ما سبقه من الكتب الإلهية، كما يؤيد حقائقها ويزيد في عرض الحجج والأدلة.

فالقرآن يدعو الإنسان للنظر في نظام هذا الكون وما به من إتقان؛ إذ يشير هذا للقدرة العاقلة المبدعة التي أسسته على هذا المنوال العظيم، يقول تعالى: «صُنْعَ الله الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء»، «وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا»، «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ».

لكن المشكلة الحقيقية ليست في إثبات حدوث العالم؛ وإنما في إنكار هؤلاء القوم لله الخالق!

فالعلة الأولى التي نشأ عنها هذا العالم كل العباد مؤمنون بها، حتى الملحدين الذين ينكرون الخالق في مفهوم الدين فهم يؤمنون بعلة طبيعية أو فيزيائية أو غيرها، فصار الايمان بالعلة الأولى ضرورة عقلية، والانحراف يكمن في تعريفها وتصورها.

فالدين حرر العقل، ودعا للتفكر والتأمل وعدم التسليم إلا بالدليل والبرهان، قال تعالي: «قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ».

وهذا العقل الذي وهبه الله للإنسان يصل عبر البحث والتفكر والتأمل إلى قوة عظمى وراء هذا الكون الفسيح وهذا الوجود المحسوس، ليدرك أن له خالقًا ومبدعًا خلقه وأحكمه.

ولذلك كان مما سلم به جميع الخلق – ومنهم الماديون – أن هناك قوة عظمى تسيّر هذا الكون وتتحكم فيه، لكن الخلاف والانحراف هو في تصور هذه القوة الخالقة، فالعقل يدل عليها، لكنه لا يستطيع أن يبين صفاتها ولا حتى اسمها.

فتارة يسمونها بـ«العلة الأولى»، وتارة «القديم»، أو «الواجب» أو «اللامتناهي» أو «المطلق» أو «الخالد»… إلى آخره.

يقول الشيخ الشعراوي في تفسيره: «عندما يأتي الرسول ليقول: إن القوة التي تبحثون عنها، والتي آمنتم بها إيمانًا مجملًا اسمها (الله)، فلا بد أن نصدق الرسول، فالعقل لا يقول لنا اسم القوة الخالقة، ولكن الذي يقول لنا اسم هذه القوة هو البلاغ، ويعطينا الحق هذا البلاغ من خلال الرسول بكل مراداته من وجودنا».

وكما يقول الدكتور محمود حمدي زقزوق: «نود أن نلفت النظر هنا إلى أن وجود الله لم يكن في حقيقة الأمر محل تشكيك جدي من جانب أحد من المفكرين الكبار علي مدى التاريخ».

فالمرء عندما يمعن النظر في هذا الموضوع يتبين له بوضوح أن النزاع الفلسفي لا يدور حول وجود المطلق أو اللا متناهي، إذ إن وجود مثل هذا الموجود يقول به كل الفلاسفة الكبار. كما يقول به الماديون الجدليون أيضًا.

لكن هؤلاء الماديين عندما ينكرون وجود الله بالمفهوم الديني، يدَّعون في الوقت نفسه أن العالم غير متناه وخالد ومطلق، وتلك في النهاية من صفات الإله.

فالمسألة التي هي محل النزاع الفلسفي إذًا ليست حول ما إذا كان الله أو «المطلق» موجودًا أم لا، وإنما هي مسألة كيفية تصوره. وربما يوجد هناك أحيانًا بعض المنكرين الحقيقيين للمطلق، ولكنهم علي كل حال من الندرة بمكان وليست لهم أهمية كبيرة.

وجود مثل هذا الموجود أمر يدعيه بنفس الحزم كل من أفلاطون، وأرسطو، وأفلوطين، وتوماس، وديكارت، وسبينوزا، ولايبنتس، وكانت وهيجل وايتهيد، وأيضًا – إذا جاز أن يقارن المرء العقول الصغري بتلك العقول الكبيرة – فإن هذا ما يدعيه الماديون الجدليون، أي الفلاسفة الرسميون للحزب الشيوعي؛ فهم بينما ينكرون وجود إله المسيحية، يدعون عادة في الوقت نفسه أن العالم غير متناه، وخالد وغير محدود، ومطلق، والأكثر من ذلك هو أن موقفهم، كما يستطيع كل واحد أن يتبين ذلك بسهولة، موقف ذو طابع ديني في بعض الأمور.

فلماذا ينكر هؤلاء القوم وجود الخالق ويقدحون في الأديان بغير حجة قوية؟ ولماذا يرفضون الاسم الذي جاءت به الأديان للخالق مع أنهم أنفسهم يضعون له أسماءً مختلفة؟ أهو إلحاد منكر فعلًا، أم هو إلحاد في قلبه الإيمان؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد