«مهما كان الاعتقاد في الله، فلا يمكن أن يكون اعتقادًا في شيء يمكن اختباره أو يمكن أن نجد له إجراءات اختباره». فتغنشتين

الاعتقاد الديني بحسب هذا غير قابل للتحقق العقلاني، لأن اللغة الدينية تختلف عن اللغة العلمية، مثلا قضية «يوم القيامة» فبما أنه حدث غيبي غير واقعي الآن لا يمكن أن نستدل عليه من خلال لغة علمية أو عن طريق التجربة القابلة للتحقق، هذا من جهة ومن جهة أخرى قضية «يوم القيامة آتٍ» إن قيلت لشخص يفهم اللغة الدينية فإنه قد ينكر ويقول «يوم القيامة غير آتٍ».

لكن من لا يفهم اللغة الدينية ويفهم اللغة العلمية القائمة على التجريب لن يفهمها، وبالتالي لا يوجد تناقض بين المؤمن والمنكر، أي اللعبة اللغوية مختلفة تمامًا. ثم إن المعرفة الدينية قضاياها غير قابلة للتحقق من خلال التجربة، بمعنى أنها من غير براهين ودلائل واقعية، وعلى هذا فلا توجد إمكانية مناقضة المعتقد.

باختصار، قضايا الدين ليست لها دلالة واقعية، فقولك «سبحان الله» لا يختلف عن قولك «السماء غابة خضراء» فهذه القضايا ليست من قبيل قولنا: «الكتاب فوق الطاولة»، فهذه القضية الأخيرة نجد لها ما بإزاء في الخارج ومتن الواقع، لكن قضية «سبحان الله» لا تشير ولا تحيل إلى أي قضية واقعية، لذلك فهي فارغة من المعنى.

والأحرى بمقولة فتغنشتين أن تكون كالتالي: « مهما كان الاعتقاد في الله، فلا يمكن أن يكون الله قابلًا لاختباره أو يمكن أن نجد له إجراءات اختباره»، أما الاعتقاد في الله فهو أكثر الأشياء إمكانية للاختبار، من حيث الأدلة العقلية والنفسية والواقعية.

فيمكنني أن أختبر كمال الله، لا الله، يمكنني أن أختبر عدله، لا الله، يمكنني أن أختبر علمه وحكمته. من خلال أثره لا من خلاله كمادة مؤثرة! فالعلم التجريبي يستند على تكرر المشاهدات ووجود قرائن في الظاهرة المعينة الموصل إلى الاستنتاجات والنتائج، وكلا وجود الله ونبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم تستندان لحجج تجريبية وعقلية.

أما قضية «يوم القيامة آتٍ»، فهذه القضية لا يمكن أن نأخذ بها من غير معرفة مسبقة بوجود الله وصفاته، من خلال جملة الاستدلالات العقلية والتجريبية، ثم إن العلم التجريبي أثبت أن العالم آيل للزوال، فالسؤال الذي يحق لفتغنشتين أن يعرضه هو: «ماذا بعد زوال العالم، وهل هناك حساب؟» هكذا تكون اللعبة اللغوية سليمة، لأن قضية «يوم القيامة آت» تحمل في طياتها بحسب لغة فتغنشتين إنكارًا للبعث، لكن ما هي الدلائل التي يمكن أن يصدق بها فتغنشتين تجريبيًا؟

فمثلًا، هل لو أمات الله أهل فتغنشتين لمدة 10 سنين، ثم عادوا للحياة، فهل سيقول أن يوم القيامة آت من خلال المماثلة، أم أنه سيقول هناك علة ما جعلتهم يعودون للحياة، وهذه العلة لا تخرج عن قانون الطبيعة، أي يمكن أن أتحقق من السبب في ذلك، وهذا السبب معقول يمكنني أن أصل إليه من خلال التجريب؟ أم لعل فتغنشتين سيقنعه دليل آخر، من قبيل علاماتها، التي نعرفها، أم أن علاماتها هي الأخرى لا تخرج عن قانون العالم والأرض، ويمكن معرفة سببها الطبيعي؟ هل لو رأى كيفية رجوع الأرض الميتة حية مخضرة بعد بياض هل سيماثل ذلك بيوم القيامة أم لا؟ الأمر واضح أنه سينكر هذا، بنفس الحجة!

العالم ككل بمعزل عن الأدلة القرآنية التفصيلية للبعث لا يمكنك أن تصل لحجة على يوم القيامة، وهذا دليل على أن أي معرفة لا تمت بالألوهية بصلة فهي باطلة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، من لا يعتمد على مبدأ المماثلة فلن يصل لشيء [كذلك تخرجون]، أي فصل هذا العالم عن العالم الآخر الذي بشر به الأنبياء.

وفي نظري، فإن الابتعاد على زمن النبوات الأولى، هو السبب الأول الذي جعل البشرية تبتعد عن مفاهيم القيامة والحساب والبعث، لأن زمن النبوات كان أشد قربًا لله، من خلال من يعاينه القوم وما تواتر إليه، أما نحن فقد بعد الزمن، ونسي البشر كل ما هو متعلق بالسماء، وتشبثوا بكل ما هو أرضي، حتى الأدلة إن لم تكن من صميم الأرض فهي باطلة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد