رغم علم الكثيرين بما قد يتعرّض له أحد الأشخاص الموقوفين في مخافر الشرطة في تونس من فنون التعذيب، كالصعق الكهربائي أو الضرب بسلك حديدي أو التعليق في شكل الدجاجة المصلية أو إلى عضات كلب مدرب أو إطفاء السجائر في اللحم الحي أو غيرها، فإنّ التونسي ما زال يشعر بالذعر أو بالدهشة عندما يعلم أن أحد معارفه تعرّض لذلك من قبل “رجال الأمن”. وقد يرتبط هذا الخبر في ذهنه بم تنشره أغلب وسائل الاعلام بالاشتراك مع منظمات سبر الآراء “المحايدة” -والتي لا تمت للحياد بأي صلة- من مغالطات تجعل المواطن يظن أنّ التعذيب هو الطريقة الوحيدة والمثلى للقضاء على الإرهاب وقساوته. والأدهى والأمرّ حين تستمع إلى وزير يعتبر إطفاء السجائر في لحم الضحية مجرد “معاملة قاسية” ولا يمكن وصفها بالتعذيب في إحدى القنوات التلفزيونية واسعة الانتشار، أو حين تساند مقدمة البرنامج الوزير في قوله قائلة أن هذا التصرف مجرد “مداعبة”.

فالشعور بالتعاطف الذي يمليه التضامن الإنساني مع ضحايا التعذيب وقع مزجه في الوقت الراهن بتهمة جديدة في تونس وهي “تبييض الإرهاب” فصار واجبا على كل مواطن أن يقتنع بأنه لا معنى لحقوق الانسان، وأن يعتبر استباحة الحرمة الجسديّة لأي موقوف أو مشتبه به هو عين الصواب، والوسيلة الناجعة للقضاء على الإرهاب المتوحّش، لا سيما بعدما انتقل الإرهاب في تونس إلى مرحلة التنفيذ في المدن وأصبح حقيقة يومية يعيش على وقعها المواطن العادي. وفي ظلّ العجز الذي بات واضحا للعيان والذي تعاني منه المؤسسة العسكرية والأمنية في هذه الحرب المفتوحة إذ وجدت نفسها بلا جهاز استخبارات ناجع، أو خطة إستراتيجية بعيدة المدى ومتعددة الأبعاد تأخذ في الاعتبار كل جوانب الظاهرة من أجل التصدي الناجع لها.

يطرح السؤال نفسه هل تبرر مقاومة الإرهاب استعمال التعذيب الذي تؤكد كل التقارير المحلية والدولية أنه أصبح تصرفا يوميا كثيرا ما يفلت من العقاب؟ أم أنه ليس سوى حنين لسياسة قديمة متجددة ممنهجة وأسلوب دولة في التصدي “للجريمة الإرهابية”؟

1) التعذيب وسيلة لمقاومة الإرهاب أو تأجيجه

تؤكّد كل التقارير المحلية والدولية على أن التعذيب صار منهجا أمنيا وممارسة يومية، تزيد سوءا واستفحالا يوم بعد يوم. وقد تلقت المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب خلال شهر سبتمبر من هذه السنة ثلاثة وعشرين ملفّا تتوزّع بين حالات تعذيب وعنف وسوء معاملة لأشخاص محتفظ بهم أو موقوفين أو سجناء. ويُعتبر هذا العدد الأعلى منذ بداية نشر المنظمة لتقارير شهرية كما قالت المنظمة في تقريرها أنه لا زالت حالات الوفيات في ظروف مريبة تلقي بظلالها على أوضاع حقوق الإنسان في البلاد، وهي تتطلب إجراء تحقيقات جدّية وعاجلة للوقوف على ملابساتها سواء تمت في السجون أو في المراكز الأمنية.

وسجلت المنظمة خلال الشهر المذكور حالات تعذيب وحشية مثل اقتلاع الأظافر أو التعليق على طريقة “الروتي” أو إدخال عصى بالمؤخرة أو الصعق بالكهرباء. وتتعرض بعض النساء وخاصة الشابات منهن إلى أنواع من الاستفزاز والتحرش والسب الجنسي بسبب كونهن نساء، إضافة إلى ما يتعرضن له من أعمال تعذيب وعنف بدني ومعنوي. كما أكدت المنظمة في تقريرها لشهر أكتوبر أن حالات العنف المسجلة ضدّ المواطنين تلحق بهم في غالب الحالات أضرارا بدنية ونفسية جسيمة. وبما أنّ طرق الاعتقال في حدّ ذاتها مثيرة للريبة إذ يقع إخلاء سبيل أغلب هذه الحالات من طرف القضاء أو النيابة العموميّة، فمن المتكفل بعلاج الحالة البدنية وخاصّة الإحاطة النفسيّة بالمتضرّر الذي سيصبح من المستحيل له إعادة التأقلم في مجتمعنا، الذي تسيطر عليه فكرة المتديّن يساوي “إرهابي” ولا سيّما وأنّه قد تمّ اعتقاله سابقا. ورغم ذلك، لا توجد ضدّ المعتدين أيّ مساءلة جدية أو بالسرعة المناسبة وهو ما يشعر الضحايا بأن المعتدين محصّنون من أي عقاب.

وفي تقرير صادر عن المنظمة الدولية هيومان رايتس واتش حول تونس لسنتي 2013 و2014، قالت المنظمة إنه من خلال الخارطة الجغرافية، يظهر أن التعذيب ممارسة منتشرة في كل الولايات تقريبا. كما قالت المنظمة أن شهادات الضحايا وشكاوى عائلاتهم تشير إلى أن التعذيب «ظاهرة متغلغلة» داخل الأجهزة الأمنية للدولة وخصوصا جهازيْ الشرطة والمؤسسة السجنية. غير أن جهاز الشرطة يُعد الأكثر ضلوعا في هذه الممارسة نظرا لاتساع مناطق تدخله الترابي مقارنة بجهاز الحرس الوطني، بالإضافة إلى أنه يمارس صلاحية الاحتفاظ التي تصل مدتها إلى 6 أيام في بعض الأحيان.

 

2) رد فعل السلط المعنيّة

صادقت تونس على أغلب وأهم المواثيق والصكوك الدولية الحامية لحقوق الإنسان. بدءًا بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وحماية الأشخاص من التعذيب مرورا بمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاّإنسانية أو المهينة. كما ينص الفصل 23 من الدستور الجديد على تنصيص صريح على أن الدولة تحمي كرامة الذات البشرية وحرمة الجسد وتمنع التعذيب المعنوي والمادي. كما ينص الفصلان 27 و30 على أنه من حق السجين التمتع بمعاملة إنسانية تحفظ كرامته وإعادة التأهيل والإدماج والحق في محاكمة عادلة تكفل ضمانات الدفاع.

هذا على مستوى التشريعات ولكن على مستوى الواقع والممارسة، يمكن أن نقول أن الدولة سخرت فعليا طاقات هامة لمقاومة آفة الإرهاب فأنشأت قطبا قضائيا متخصصا في قضاياه ودوائر متخصصة فيه أيضا وأحدثت كما ذكرنا أخيرا قانونا للتصدي له ووفرت له كثيرا من الإمكانات العسكرية والأمنية، لكن جهودها في مجال مكافحة التعذيب بقيت بالمقابل شبه معدومة.

ناهيك أنه لم يقع تأهيل الجهاز الأمني وإصلاحه كما كان مأمولا ومنتظرا بعد الثورة ولم يتم توفير الإمكانات الضرورية أمام باحث البداية لمساعدته على الخروج من منطق الاستنطاق المؤسس على افتكاك الاعترافات بالقوة في سبيل تأسيس منطق جديد أمني جمهوري يقوم على ثقافة حقوق الإنسان عامة، ولكن خاصة على الاثباتات العلمية والقرائن التي يصعب دحضها أمام القضاء. فلا يقال أن الأمن يقبض على المجرمين، والقضاء يطلق سراحهم وهو قول يروج له البعض في تونس هذه الأيام.

وبطبيعة الحال لا يمكن أن ننسى عملية الإدانة والهرسلة التي تمارس ضد القضاة إذا وقع الإفراج عن بعض المظنون فيهم في قضايا إرهابية. بل وصل الأمر إلى اتهامهم بأنهم أصبحوا خطرا عل البلاد. إن كل هذا يثير الشبهة بلا شك حول إرادة السلطة التصدي لآفة التعذيب أو حتى البداية في مقاومتها، ويفتح الباب حتما أمام كل أنواع التجاوزات في هذا المناخ غير الصحي والذي يهدد دولة الحق والقانون.

إن هذا المناخ هو أيسر مدخل لإفساد منظومة القضاء برمتها، وانعدام الثقة العامة في السلطة القائمة، مما يمهد السبل إلى إيجاد جوّ مشحون ضد الحكام وانتشار الشعور بالظلم والقهر. وهل يحتاج الإرهاب الذي يدعي البعض مقاومته إلى حاضنة أفضل من هذا ليصل إلى القلوب والعقول، يفسدها ويلحقها بركابه المشؤوم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد