في السنوات الماضية لم يكن هناك ما يؤرق العالم أكثر من الجرائم التي ترتكب باسم الدين، والتي لم تكن الأولى من نوعها في التاريخ ولن تكون الأخيرة، حيث إن المشكلة لا تقع على عاتق دين بعينه؛ فكل الأديان التي عرفها الإنسان تم ارتكاب أفظع الجرائم باسمها على مدار التاريخ، ولكن المشكلة تكمن دائمًا في عقول مرتكبيها، فقديمًا كانت غالبية الجرائم التي ترتكب باسم الدين دافعها هو الهوس والخلل العقلي، أما في عصرنا أضحت هذه الجرائم لأسباب سياسية ومرتكبوها هم مجرد أداة للتنفيذ أو متشددين ظنوا بأنهم صائبين في الوقت الذي ضل فيه الجميع؛ ففسروا التعاليم الدينية بما يناسب أهواءهم وخططهم.

وأيًا كانت الأسباب والدوافع فلن يجد هؤلاء أفضل من الدين ستارًا يجمع تحت لوائه أكبر عدد من الأتباع، بالإضافة إلى قدسية الدين لدى أي إنسان مما يجعله مبررًا قويًا لكثير من الأفعال التي لا يمكن تبريرها بغيره، وليس من الغريب أن نجد الجرائم الدينية التي تم ارتكابها، والتي ما زالت تُرتكب تجمع وراءها جيشًا من المؤيدين، حيث دائمًا ما كانت هناك فئة من الناس لا تصلح لشيء سوى التبعية في الصواب أو الخطأ وكأنهم بذلك يدفعون عنهم وزر ما ارتكبوه باعتبارهم مأمورين، أو فئة أخرى تبجل وتمجد كل من خرج عليهم باسم الدين لقلة وعيهم وجهلهم المزري بالمعنى الحقيقي لتعاليم دينهم واعتمادهم على من يفسره، والذي لا يتسلل إلى أذهانهم أنه يخطئ كسائر البشر.

هذه الفئات وغيرها كانت دائمًا بمثابة الوقود الذي يحرك مرتكبي الجرائم باسم الدين، فمنذ قديم الأزل وحتى الآن ومرتكبو هذه الجرائم يجدون من يشد من أزرهم ويؤمن بهم مما يجعل النجاح حليفـًا لهم في كل مرة.

جونز تاون

كان يوم الثامن عشر من نوفمبر عام 1978، هو اليوم الذي استفاق فيه الأمريكيون والعالم على فاجعة لم يسبق لها مثيل، حيث قام أكثر من 900 شخص بينهم نساء وأطفال بالانتحار في آن واحد لتسجل أكبر عملية انتحار جماعي في التاريخ، وهو العمل الذي لم يحركه الدافع النفسي كأغلب حالات الانتحار الأخرى، بل كان امتثالًا لأوامر شخص واحد هو القائد لهذه المجموعة.

وكان هذا القائد هو «جيم جونز» الرجل الأمريكي الذي عُرف وذاع صيته من خلال إنشائه لطائفة دينية عام 1956، أطلق عليها اسم معبد الشعب، والتي تم تعريفها بعد ذلك على أنها طائفة بروتستانتية متطرفة، وكانت محصورة في البداية على بعض الأتباع من السود الكادحين، حيث استغل جونز الاضطهاد العنصري ضدهم آنذاك ليدعوا الجميع إلى اتباع طائفته التي تروج للسلام والدمج بين البيض والسود وكثير من الشعارات المثالية الأخرى التي نفذ بعضًا منها بالفعل بتبنيه أطفالًا سودًا هو وزوجته؛ مما أدى إلى انضمام الآلاف لطائفته من كبار السن البيض والمثقفون الذين يتملكهم فراغ روحي ووجداني سعوا لملئه من خلال هذه الطائفة.

ولكن الوجه المثالي لم يدم طويلًا؛ حيث بدأت أهدافه وشخصيته المعتوهة في الظهور من خلال مطالبة أتباعه بالولاء الأعمى له كما ادعى أن العالم سيغرق في حرب نووية عام 1967 والناجي الوحيد منها هم أتباعه، وحتى يتمكن من تعزيز سيطرته على عقولهم نادى أتباعه بالسفر إلى غابة نائية تقع شمال غايانا في أمريكا الجنوبية بعد أن أقنعهم بأنهم مهددون ومكروهون من الدولة لاتباعهم طريق الحق، وقد كان له شهرة واسعة في ذلك الوقت وانتشرت معابده في عدة ولايات مما عزز ثقة كثيرين به وشجعهم على تلبية ندائه، وهناك قام بإنشاء مستوطنة جونز«Jonestown» التي من خلالها استطاع إحكام سيطرته عليهم؛ فبالإضافة إلى البيئة المعيشية السيئة كان لا يتوانى عن تعذيب المخطئ ومنع أي شخص من مغادرة المكان.

وهو الأمر الذي وصل إلى الكونجرس الأمريكي فقرر السيناتور ليو رايان السفر للتأكد من صحته، والذي كاد أن ينخدع بالمثالية التي شاهدها في بادئ الأمر حتى وصلته رسالة تحمل أسماء الراغبين في المغادرة ويمنعهم الخوف من ذلك، وبالرغم من دعوة السيناتور لهم بالعودة معه إلا أن القليلين فقط تحدوا الخوف واستجابوا له، وهو ما اضطر جونز لقتل السيناتور ومن معه حتى لا ينفضح أمره، ثم دعا جميع أتباعه وأقنعهم مستغلًا رضوخهم لتبعيته بأن الطائرات الأمريكية قادمة لتقصفهم دون رحمة وأن الانتحار هو العمل الثوري البطولي، وعندما اعترضت إحدى السيدات لم تسلم من مهاجمة الآخرين لها، فبدأ بإعداد سائل من السيانيد وحامض الفاليوم تجرعه الأطفال أولًا ثم الكبار وبعد أن تأكد من موت الجميع أطلق النار على رأسه ليترك وراءه أكبر دليل على قدرة التحكم في العقول وسلب الآخرين إرادتهم باسم الدين.

فرخندة

فرخندة محمد هو الاسم الذي يُذكر عادة حاملًا معه كثيرًا من الألم، فهو الاسم المحفور في ذهن المجتمع الأفغاني كافة ولاسيما النساء منه، فهي شابة أفغانية تبلغ من العمر 27 عامًا تحفظ القرآن، كما اعتادت أن ترتاد المسجد منذ كانت في السابعة من عمرها، وشاءت الأقدار أن تقف للصلاة مع والديها بمسجد «شاه دو شامشيرا» بالعاصمة كابل لترى هناك امرأةً فقيرةً ترتعش من شدة البرد، ولا تجد ما يحميها منه، فأشفقت عليها وهي التي تعودت الإحسان فعادت بعد ذلك ومعها سترة شتوية لهذه المرأة، وهناك تنبهت للخرافات والبدع التي يفيض بها المكان؛ حيث يضم المسجد بين جنباته ضريحًا شهيرًا يفد إليه الناس وخاصة النساء لشراء الأحجبة التي من شأنها حل المشكلات وشفاء المرضى، فلم تتمكن من غض الطرف عن ذلك ونصحت مرتادي المكان بعدم الانسياق وراء هذه الأكاذيب التي تستغل جهلهم وفقرهم باسم الدين، وهو ما تسبب في شجار بينها وبين أحد حماة الضريح نتج عنه اتهامها بإحراق المصحف وبتحريض من حماة الضريح تجمهرت الحشود الغاضبة خارج المسجد.

وما إن خرجت للدفاع عن نفسها وتكذيب هذا الادعاء حتى انقض عليها الجميع بالضرب المبرح تارة بالخشب وتارة أخرى بالحجارة مرددين الله أكبر، وكأن الوحشية والهمجية ولذة القتل كانت كامنة بداخلهم بانتظار من يفجرها، فكلٌّ منهم كان يضربها وكأنها عدوه الشخصي، وكانت الركلات التي توجه لها تسقطها أرضًا كلما حاولت النهوض، حتى لفظت أنفاسها الأخيرة، ولم يمنعهم موتها من ارتكاب ما هو أفظع ظنًا منهم أن تصبح عبرة لغيرها، حيث قاموا بسحق جسدها تحت عجلات السيارات ثم أشعلوا النيران بجثتها بالقرب من نهر كابل على مرأى ومسمع من الجميع ومن رجال الشرطة الذين لم يتدخل أحدهم لإيقاف ذلك.

وهو ليس بالغريب على رجال اعتادوا مشاهد الاضطهاد والقتل للنساء وكأنها عادة توارثوها في بلاد رفض فيها البرلمان الموافقة على قانون يجرم العنف ضد المرأة، فالجهل والتشدد الديني واستحقار المرأة هو أبرز ما خلفته طالبان وراءها في تلك البلاد؛ حيث رسخت في أذهانهم الجرائم باسم الدين، وأن كل ما يخص المرأة هو مدعاة للفساد والعار، وحتى بعد انتهاء حكم طالبان لم تُمحى آثار تلك المفاهيم البالية من عقولهم؛ حيث تقبع هناك وزارة المرأة كمبنى أثري عزف عنه الزوار، والجدير بالذكر أن فرخندة تمت تبرئتها لاحقـًا من تهمة إحراق المصحف، وقد ألقت الشرطة القبض على مجموعة من الرجال الذين اشتركوا في هذه الجريمة بعد أن قام أحدهم بالتباهي بصور الحادثة على الإنترنت باعتباره أحد المنتصرين للدين.

قرابين بوذا

سيدهارتا غوتاما هو مؤسس الفلسفة البوذية التي حولها أتباعه بعد وفاته إلى مبادئ وتعاليم دينية واتخذوها دينـًا ثم اتخذوه إلهًا، وقد دأب أتباعه في العصور القديمة على تقديم القرابين البشرية له طلبًا لرضاه، ومع انتشار العلم وانحسار حضارات وظهور أخرى بدأت هذه العادة تندثر بالرغم من بقاء المعتقدات والمبادئ ذاتها راسخة في أذهانهم، لتعود مرة أخرى للظهور عام 2009 في محاولة من البوذيين المتشددين في الصين لإحيائها تزامنًا مع رأس السنة الصينية.

حيث قام الكهنة في إحدى القرى باختيار فتاة عذراء لتقدم قربانًا وقام أهلها الذين سعدوا بهذا الشرف باقتيادها مكبلة اليدين والقدمين إلى المذبح، ليتسلمها الكهنة بعد ذلك ويتم نحرها على طاولة خاصة بذبح الخنازير بحضور أهل القرية، وفي مشهد أبعد ما يكون عن الإنسانية يتم صب الدماء في وعاء لاعتقادهم أن من شرب منه يطول أجله ثم يقطع الجسد ليوزع لحمه على الفقراء لينتهي الحدث بعد ذلك وكأن شيئًا لم يكن، دون حسيب أو رقيب، وهو الأمر الذي يستدعي التنبه له من منظمات حقوق الإنسان الدولية كي لا تتفشى هذه الظاهرة في العالم مجددًا، وخاصةً إذا كانت الديانة البوذية من أكبر الديانات الموجودة من حيث عدد المعتنقين والأتباع، والتي تتركز في عديد من الدول منها الصين والهند وكوريا وبورما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد