مات العقل النقدي الإسلامي ونحن الذين صلبناه على أخشاب الانهزام أمام كلمة الحق. أمسى وعي المجتمع  وعيًا عليلًا أمام الهالة العملاقة للحضارات الأخرى، وانتكس اللاهوت من العقل المقاصدي الخلّاق الجريء إلى العقل الاتّكالي الذي يحفظ ويكّرر أقوالًا كأنها ترانيم هندوسية. أصبحت أية محاولة للاجتهاد خارج المقرر الطائفي لا تلقى ترحيبًا بل استنكارًا مهينًا يهدد الرقاب.

إن العقل العملي الإسلامي صار عقلًا كهنوتيًا جامدًا منغلقًا على ذاته عشّشت عناكب الثقافات الجديدة في ثغراته، ونهشته المتغيرات التكنولوجية الحاصلة للمجتمعات الإنسانية، وأصبحت وظيفة مشائخ الدين محصورة في استنساخ فكر الأسبقين والتعليق عليه، وحراسة المعبد بالتقريع والتلويح بالعصا الإلهية في وجه كل متسائل.

لقد أثقلتنا الرواسب المتراكمة منذ مئات السنين، وخلقت هوّة عريضة بين حياة الإنسان المعاصرة وأبسط مبادئ دينه الذي علّق المشائخ فيه صفة الرجعية عنوةً. صار الدين هو الخوف من الآخرين، ولم يتبق منه إلا الشّكل.
حرروا الدّين من أغلاله، دعونا نقرأ التراث قراءة نقدية موجّهة، علمونا الجوهر المنطوق من صاحب الرسالة ولا تغرقونا بالتفاصيل على حساب الأصل، نظفوا الرسالة أرجوكم. دعونا نقف على أكتاف أسلافنا بعقل حر ناقد بصير يكفر بما لا يوافق العقل والفطرة. لا تضفوا هالة العصمة على أي إنسان وتأسرونا بجهلنا وتكمموا أفواهنا.

إن البشرية تتقدم بالمعرفة وأدوات البحث تتطور، والوصول إلى المعلومة أمسى أسرع من البرق. ربما كان السابقون أكثر حرصًا وإرادةً وتنظيمًا من اللاحقين، لكن أدواتهم بدائية ومعارفهم متواضعة، أما معارفنا فهائلة مقارنة بهم، فلا تحتقروا قدرتنا ولا تستهزئوا بإرادتنا نحن أبناء هذا الدين من أبسط حقوقنا أن نتساءل إزاء معتقداتنا، وأن نفهم ما جُبلنا عليه منذ ولادتنا دون أن نُستأذن لنا الأحقّيّة في الاجتهاد الذاتي المطلق رغم أنف حراس المعبد.

إن من خلق سائدنا وشارك في تكوين عقلنا الاجتماعي هم بشرٌ مثلنا لم يرغبوا في أن يصادروا ملكية العقل الإسلامي، كانوا علماء نقدة جهابز وضعوا بصمتهم الإنسانية بما يناسب زمانهم، ومشوا تاركين الساحة للأجيال القادمة لتبدع وتفهم واقعها وتكّيف جوهر الدين معه.
فجاء رجال الاستبداد السياسي والملك العضود والجواري والغلمان وصنعوا لهم أصنامًا تعبدها عقول الرعيّة دون عناء التساؤل والنقد والتحليل والتفكّر، إذ ليس باستطاعتهم أن يحكموا شعبًا دون أن يصادروا عقله وضميره، فالعقل الجامد المسطح هو ما يأمن عليهم مضاجعهم ويحمي حصونهم.

لم نعد نعبد أصنامًا من حجر أو خشب؛ بل نعبد أصنامًا فكرية، وأفهامًا حصرية، ونصوصًا ثابته نقرّبها لله زلفى. إن أصنامنا أشد فتكًا لأنها لا تُهدم بمطرقة من حديد، وإنما بمطرقة من فكر.

يا أئّمة الفكر من كان له أذنٌ فليسمع، ومن كان له عينٌ فليبصر، اقرؤوا التراث بعين الشَّك حاملين ضمير الباحث عن الحقيقة وحدها، واستخلصوا نور الله كما جاء في الناموس الأول دون أن تجرونا إلى عقل الأمس البعيد، وتكبلونا بأحداثه وأدواته العلمية ونمطه الاجتماعي وحسّه المشترك ومصطلحاته ووسائله.
نحن أبناء هذا العصر واثقون بأنفسنا، وكارهون لاغتيالنا الفكري على أيدي المنمذجين ووعاظ السلاطين والأغبياء المتبعين الكافرين بالعقل.

نحن بحاجة لثورة داخل القباب المزخرفة، ثورة تقلع أسنان الخطباء وتمزق العمائم وتهد المنابر العاجية. ثورة رصينة تفور بالغضب دون تنكر، أو هروب من الذات. ثورة بنيّة إنقاذ المعنى الديني الأصيل لا بنية هدم متعصب دون جدوى. ثورة منبثقة من رحم تاريخنا السياسي المجنون الذي مزق شملنا، وفرّق جمعنا. نحن بحاجة للثورة.

تبًا للخنوع والانصياع
تبًا للموت المسمى درء الفتنة
تبًا للصمت والخوف من قول الحق
تبًا لتكرار الخديعة الفارغ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد