التطرف لغة: هو الانحياز إلى أحد طرفيّ الأمر. يُقال تطرّف: أتى الطرف. تطرّف في كذا: جاوز حدّ الاعتدال ولم يتوسّط.

والتطرف: هو موقف متشدد بالقبول التام/الرفض التام تجاه موقف أو فكرة ما مع عدم الرغبة في مناقشة ذلك الاعتقاد، كما يمكن أن يكون سلوكًا بشكل يغاير الاعتدال زيادةً أو نقصًا.

وعليه؛ يمكن تعريف التطرف على أنه: ظاهرة تحدث عندما يتخذ الفرد موقفًا حدّيًا تجاه قضية ما سواء كان موقفه إيجابيًا أو سلبيًا، وقد يكون هذا الموقف مجرد فكر أو يتخذ شكل سلوك ظاهري، وينشأ عن هذا الموقف تأثيرات سلبية على الفرد والآخرين.

فالتطرف هو ظاهرة اجتماعية ترتبط بالظروف الدينية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يمر بها المجتمع، ويتمثل في المجتمعات الوسطية في الاعتقاد بما يخالف القيم والمعايير المقبولة في المجتمع، والخروج على تلك القيم والقيام بسلوكيات تخالفها. وقد يظهر التطرف في مجالات عديدة، فيكون سياسيًا أو دينيًا أو مذهبيًا.

وينبغي عند محاولة تحديد مفهوم التطرف أن نميز بين تطرف الأفراد وتطرف المجتمعات، فقد توجد حالات تجنح فيها مجتمعات بأكملها نحو التطرف، ويكون وصفها بالتطرف في هذه الحالات من قِبل المجتمع الدولي؛ كونها خرجت عن القيم والمعايير المقبولة دوليًا، مما يجعل من الصعب تحديد الحدود والمعايير التي على أساسها يوسم الأفراد بالتطرف؛ كون الفرد في تلك المجتمعات المتطرفة لا يخالف قيم ومعايير المجتمع المحلي. فتطرف الأفراد يحدث في المجتمعات الوسطية بمحاولة الخروج على قيمها ومعاييرها، أما إن غزا التطرف المجتمع وسيطر المتطرفون عليه وتحول المجتمع بأسره إلى مجتمع متطرف، وصارت السلطة السياسية تدعم التطرف فسيتحول إلى مجتمع متخلف يدعم الإرهاب في غيره من المجتمعات.

فليس من الضروري أن يكون السلوك المتطرف شاذًا في المجتمع، بل قد يكون منتشرًا في ‏المجتمع ككل، مثلما يسود الغش والرشوة في المجتمعات التي تفسد كليًا، أو في بعض ‏المجتمعات الفرعية أو الجماعات المحدودة في المجتمع الكبير.‏ فالسلوك المتطرف يُعرف من خلال آثاره السلبية على الفرد والمجتمع، وليس فقط من خلال ‏شيوعه/شذوذه؛ ذلك أن ‏المصلحين الاجتماعيين في أي مجتمع يحاربون الأعراف والقيم الفاسدة السائدة بالمجتمع، ولم يُعتبروا يومًا متطرفين، وقد تشيع في بعض المجتمعات الفاسدة بعض السلوكيات حتى تسود فيها، وستبقى سلوكًا متطرفًا مهما شاعت.

كما ينبغي علينا أن نميز بين اقتصار التطرف على الأفكار فقط، وتعديه إلى التطرف في الأفعال، لأن انتشار السلوكات دليل على تخلل الأفكار التي تنبني عليها في العقول وتقبلها. صحيح أنه يعنينا فهم الأسباب التي تؤدي إلى نمطيّ التطرف، ولكن الخطر الحقيقي لا يكمن فيمن يحملون أفكارًا متشددة، بل فيمن يحاولون فرض تلك الأفكار على المجتمع بالقوة.

والتوسط وعدم التطرف لا يقتضي أن يشك الفرد في أن ما يؤمن به في قضايا الاعتقاد قد يكون خطأ، فهذا مما يناقض الإيمان، وكل إنسان وصل لعقيدته عن طريق الدراسة والبحث مقتنع ولا شك بما يؤمن به، لكن التطرف الحقيقي أن يقوده اعتقاده بصحة ما يعتقده إلى تكفير الآخرين بما لا يلزم منه كفرهم، أو الطعن في نواياهم من وراء ما يعتنقون، فغير المتطرف وإن كان يعتقد بصحة اعتقاده سوى ما عداه، فإنه يتوقف عند نقطة أن الآخرين يعتقدون ما هدته إليهم عقولهم، وليس ما ساقته إليهم رغبتهم في التزندق.

والتطرف الديني باعتباره ظاهرة ليس جديدًا، بل هي ظاهرة معروفة منذ عصور قديمة، وفي مختلف بقاع العالم، ومن أتباع ديانات مختلفة. ومع كونها منتشرة فالاعتراف بكونها ظاهرة مرضية ضرورة وخطوة أولى لتقليص آثارها.

بالتالي يمكن القول أن من سمات ظاهرة التطرف الديني أنها:

  • عالمية: وإن كانت تختلف من مجتمع لآخر.
  • قديمة: وإن اختلف حد ما يمكن أن يسمى تطرفًا من زمن لآخر.
  • عامة: لا تختص بدين أو مذهب.

وبالرغم من توسع مفهوم التطرف الديني، وعدم اختصاصه بمكان دون آخر ودين دون سواه، إلا أن الاهتمام العالمي ينصب على التطرف الديني الإسلامي، أو على الأصح الذي يحاول بعض المتطرفين المنتسبين للإسلام نسبته إليه بناء على عقائدهم التي اكتسبوها من فهوم علمائهم للنصوص الدينية.

وينبغي التنبه إلى أن التطرف هو لفظ غير معروف في النصوص الإسلامية، ولكن يمكن أن نلمح لفظًا آخر يعبر عن مجاوزة حد الاعتدال وهو «الغلو». قال تعالى: ‏﴿‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ‏﴾‏ [النساء: 171].

‏والغلو يشير لغويًا إلى مجاوزة الحد والإفراط، والتنطع في قضايا ‏الشرع. يُقال: غَلاَ فلانٌ في الأَمر والدِّين: تشدَّد فيه وجاوز الحدَّ وأَفرط. وقد اعتبره القرآن الكريم -وفقًا لنص الآية- تحريفًا للدين وخروجًا عن قول الحق، ونسبة ذلك الباطل إلى الله.

ويُستخدم الغلو عادة للتعبير عن التطرف بالزيادة في الفهم والتصرف إزاء أمور الدين، لكن هناك فهم آخر للغلو يدخل فيه التفريط وليس فقط الإفراط، باعتبار أن كليهما مجاوزة للحد. يقول الإمام القرطبي في تفسيره، في تفسير الآية: «في قوله تعالى نهي عن الغلوّ. والغلوّ: التجاوز في الحد؛ ومنه غلا السعر يغلو غلاء، وغلا الرجل في الأمر غُلوًا، وغلا بالجارية لحمها وعظمها: إذا أسرعت الشباب. ويعني بذلك –فيما ذكره المفسرون- غلو اليهود في عيسى حتى قذفوا مريم، وغلو النصارى فيه حتى جعلوه ربًا؛ فالإفراط والتقصير كله سيئة وكفر، وكذلك قال مطرف بن عبد الله: الحسنة بين سيئتين؛ وقال الشاعر:

وأوفِ ولا تستوفِ حقك كله ***** وصافح فلم يستوف قط كريم

ولا تغلُ في شيء من الأمر واقتصد **** كلا طرفي قصد الأمور ذميم

وقال آخر:

عليك بأوساط الأمور فإنها **** نجاة ولا تركب ذلولًا ولا صعبا»أهـ.

لكن الفهم الشائع والمتداول للفظ الغُلوّ هو التكلف بالزيادة في الفهم، والتصرف في أمور الدين من عبادات ومعاملات، مما يؤدي إلى المشقة الزائدة التي لم تأمر بها الشريعة، ويتسم أصحابه بالضحالة الفكرية، والاعتقاد أن التشدد هو عين التدين. وقد ورد حديث صحيح في ذم التنطع. وتنطع في الشيء: بالغ فيه وتكلف. جاء عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ. قَالَهَا ثَلَاثًا» رواه مسلم (2670). فحذّر رسول الله صلى الله عليه وسلم من التكلف والتشدد فيما لا ينبغي. كما تنبأ رسول الله بظهور الغلاة سفهاء الأحلام على فترات، ووصفهم بأنهم خارجون من الدين.

وعلى هذا التصور؛ يقابل الغلو في الدين، التقصير في أمور الدين عن حد الاعتدال، أو لنقل أنه التشدد ويقابله الانحلال، وكلاهما بلا شك مذموم بالنسبة للمتدينين.

ولا أرى المرادفة بين مصطلحيّ الغُلو والتطرف، فالغلو في حقيقته سبب للتطرف، وليس مرادفًا له. ويمكننا تقرير أن الغلو لا يعدو كونه فكرًا متطرفًا يضر بصاحبه فقط وربما بعض المحيطين به، ولكنه يمكن أن يشكل سببًا لكل الدرجات الأعلى في سلم التطرف التي قد يتدرج فيها الفرد وصولًا إلى استخدام العنف والإرهاب. فالغلو يبدو أثره في حياة الفرد، وغالبًا لا تتأثر الجماعة، لكن التطرف تترتب عليه آثار كثيرة خاصة بالمجتمع الذي يعيش فيه الفرد المتطرف، فهو أبعد أثرًا.

وإن كان التطرف الديني الإسلامي هو مغايرة الاعتدال بالزيادة، فإن ذلك التطرف الديني يقابله التطرف العلماني الرافض للدين تمامًا، فهو الجانب السلبي الذي يحاول إخراج المجتمع عن وسطيته بصورة أخرى. وكلاهما آفة ابتلي بها مجتمعنا في العقود الأخيرة.

ولكون التطرف ظاهرة خطيرة ومتنامية، حتى أصبحت مشكلة عالمية، فهي تستحق منا البحث فيها. ومحاولة الإجابة على التساؤلات التالية:

  • كيف نشأ التطرف الديني لدى المسلمين؟
  • ما هي الاعتقادات لدى بعض الفرق الإسلامية التي أسهمت في نشأة ظاهرة التطرف واستمرارها وتناميها؟
  • ما دور التمذهب الفقهي والأحكام الفقهية في التطرف الديني لدى المسلمين؟
  • كيف أسهم السياسيون في نشأة التطرف الديني الإسلامي واستشرائه؟
  • ما أسباب التطرف الديني الإسلامي المعاصر؟
  • ما الآثار المترتبة على الفرد والمجتمع من جرّاء التطرف الديني؟
  • كيف نقي ونعالج من التطرف الديني ونتخلص من الآثار المترتبة عليه؟

وقد حاولت الإجابة على هذه الأسئلة في كتابي الجديد «التطرف الديني الإسلامي.. نشأته وأسبابه وآثاره وطرق علاجه».

إنه محاولة متواضعة مني للفهم العميق لظاهرة التطرف، التي أزعم أن عدم إلمام من تصدوا ‏لدراسة الظاهرة بأبعادها المختلفة كان من أهم الأسباب المؤدية لفشل كل محاولات العلاج، وتفاقم ‏المرض. وأرجو أن ينفع الله به.‏

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد