في 29 من شهر أغسطس (آب) الماضي قررت محكمة جنايات الزقازيق المنعقدة في غرفة المشورة تجديد حبس المدون القرآني رضا عبد الرحمن 45 يومًا على ذمة التحقيق في القضية رقم 3418 لسنة 2020، القرار الذي بموجبه تكون قد تجاوزت مدة حبسه 13 شهرًا تقريبًا؛ وذلك منذ اعتقاله في 22 أغسطس عام 2020 بتهمة الانضمام لتنظيم داعش، والآن وفي ظل خطابات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، التي تروج بشكل مباشر وصريح إلى تجديد الخطاب الديني وحماية من يعتقد ومن لا يعتقد، ووجوب مراجعة كل فرد لعقيدته؛ وجب السؤال حينها عن: متى يطلق سراح المدون القرآني رضا عبد الرحمن؟

مَن هم القرآنيون؟

يأتي أصل تسمية القرآنيين أو أصحاب الفكر القرآني أمثال رضا عبد الرحمن بمِثل هذا الاسم هو إطلاق أمن الدولة في مِصر هذا الاسم عليهم في أواخر الثمانينيات، حين اِعتُقل الدكتور أحمد صبحي منصور ــ*أحمد صبحي منصور هو مفكر ومدون مصري، ويعد تلميذًا للإمام محمد عبده وحيث كان- أي أحمد صبحي منصور- هو أول من تحدث بشكل علني عن الفكر القرآني في مصر، هو وكل من يتبع نهجه في التفكير حيث تمت معاداتهم بسبب أفكار الدكتور أحمد صبحي الدينية، وبسبب نقده الفكري للمذهبين السلفي والصوفي معًا في وقتٍ كانت الصوفية تسيطر على الأزهر، والفكر السلفي يسيطر على المشهد المصري متمثلًا في رموز تم تقدسها ولا يزال تقديسها قائمًا حتى يومنا هذا أمثال الشيخ محمد متولي الشعراوي، فلقد سافر الدكتور إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد ما تعرض له من اضطهاد في مِصر بسبب آرائه الدينية، تتمثل أفكار المدرسة القرآنية ببساطة في عدة نقاط أساسية، أولها هو أن القرآن الكريم هو المصدر الوحيد للإيمان بالدين الإسلامي، وأن كتاب الله واضح وكامل ولا يحتاج إلى مُفسر أو راوٍ، وأن العقل هو المُفسر الوحيد لكتاب الله عز وجل، وأن فِهم النص ليس حِكرًا على أحد؛ أي إن كل شخص له الحق في فِهم النصوص بنفسه بدون تلقين من المفسرين؛ فكتاب الله بُعث للعالمين، وأن العقيدة والرسالة هم جوهر الدين وأهم ما فيه – جوهر الدين هو التبليغ بأن الله واحد لا شريك له والتبليغ بيوم الحساب- وأن ما دون ذلك فهو قابل للتغيير ليتماشى مع ظروف زمانه وعصره، ومن أهم أفكار القرآنيين هي أن البخاري ومسلم والشافعي ومالك وأحمد وأبا حنيفة كلهم بشر يؤخذ منهم ويرد، وأن الصحيحين – صحيح البخاري وصحيح مسلم- تغمرهم التناقضات والأحاديث الفاسدة التي يتبرأ منها الله ورسوله، والتي تنافي ما جاء بكتاب الله (القرآن الكريم).

هذه هي باختصار أفكار القرآنيين وأهم سِماتهم، وعلى الرغم من أن أصل تسميتهم بالقرآنيين كان فرضًا عليهم كما سبق وذكرنا؛ فإنهم لا يهتمون كثيرًا بالتسمية، بل منهم من يتشرف بنسبته إلى القرآن.

وجه الدعابة في كَون رضا عبد الرحمن داعشيًّا

أي شخص بذل مِثقال حبة من خردلٍ مجهود محاولًا أن يعرف مَن هم القرآنيون؛ سيعلم جيدًا بأن اتهام الشخص القرآني بأنه داعشي ما هو إلا دعابة سوداء متمثلة في اتهام فاسد، فعلى الرغم من كوني لست قرآنيًّا فإنني أحترم القرآنيين بشدة لكونهم يحترمون العقل والإنسانية إلى أبعد حدود، فلقد عاهدت قرآنيين يقولون بأن الشخص الذي يشهد بوجود إله واحد ويعترف بوجود يوم الحساب يعد مسلماً؛ في حين وجود فئات أخرى أمثال السلفيين يكفرون الناس آناء الليل وأطراف النهار على أبسط المسائل، هؤلاء هم القرانيون، يحترمون العقل ويقدسون الإنسانية ويسعون للعدل ويحتذون بالكلمة والقلم، لقد كان المدون القرآني رضا عبد الرحمن من أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان وعن الأقليات في مِصر، أمثال الطوائف المسيحية المتعددة والبهائيين والملحدين والقرآنيين؛ لقد كرس رضا حياته في الدفاع عن حرية العقيدة، وحرية التعبير، ومبادئ السلام، والعدل الاجتماعي، والقيم المدنية الحميدة، والمساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات؛ كما دافع عن حقوق الأطفال وحاول أن يساهم بأفكاره في تطوير منظومة التعليم في مصر، بينما كان من الضفة الأخرى ومنذ عام 2005 يعد شوكة في حلق تيارات الإسلام السياسي باختلاف توجهاتها وأشكالها المتعددة، فلقد كتب رضا العديد من المقالات على مدونته «العدل الحرية السلام» التي هاجم وانتقد وأدان فيها التنظيمات الإسلامية وأنظمة التكفير وأي شخص ينظر إلى نفسه كوصي أو ولي على أحد في الدين أو في الحياة الاجتماعية، تمتد أفكار رضا من شِعار مدونته الذي يسير بِه نحو أفكاره وكلماته؛ ألا وهو : «هذه المدونة مجرد رأي يقبل الخطأ قبل الصواب ولا أفرضه على أحد»، بهذه الكلمات البسيطة النزيهة يحاول رضا جاهدًا أن يبني مجتمعًا يقوم على العقل وعلى التواضع في البحث والقناعات؛ مجتمع ينبذ التكفير وينبغ التمييز؛ وعليه فلقد صوب رضا جزءًا كبيرًا من مدونته نحو انتقاد التراث الديني الملغم، التراث الذي ينتج لنا الإرهاب والخطابات الإرهابية التي تتمثل في جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين؛ فأخذ على عاتقه تجديد الخطاب الديني وتجديد فهم النص المقدس؛ وذلك منذ عام 2008 في وقت كان حسني مبارك يرعى الإسلاميين ويقلم أظافرهم، ويمد الخط الذي بدأه أنور السادات على استقامته، وبعد هذا الحديث المختصر عن أفكار رضا عبد الرحمن أعتقد أنه قد بات واضحًا لماذا يعد اتهام رضا بكونه داعشيًّا بمثابة دعابة سوداوية يتحملها رضا وأسرته وأصدقاؤه لمدة عام حتى الآن على ذمة التحقيق ولعله – هذا الحبس الاحتياطي- سيمتد كالعادة إلى أجل غير مسمى.

خاتمة في ضوء خطابات السيد الرئيس

لقد كنت – وسأظل- من أوائل الداعمين لخطابات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي المعنية بتجديد الخطاب الديني وبناء مشهد مدني يقوم على التحرر السياسي ويعمل على محاربة التسليع الديني، ويحمي الأقليات الدينية المغايرة لما ترعرع عليه أفراد المجتمع، ولكن إلى متى سيظل المجتمع مغمورً بالخطابات الرنانة ليس إلا ؟ لماذا لا نرى انعكاس خطابات الدولة بشكل عملي على المجتمع، بل نرى انعكاسًا مناقضًا تمامًا لما يتم تداوله والتحدث بِه؟ كيف نتوسم بناءً مجتمعيًّا عادلًا وسويًّا من الناحية الدينية يرفض التطرف والنبرات التكفيرية إن لم نعمل على مد تلك الخطابات على أرض الواقع؟ لقد عانينا كثيرًا من المحاولات الصوابية المتكررة التي تنتهجها الدولة بغرض إرضاء الأغلبية المسلمة السنية على حساب الأقليات الدينية واللادينية الأخرى مِثل القرآنيين والمسيحيين واللادينيين والبهائيين والشيعة وغيرهم، إن الاستمرار في مِثل هذه المحاولات البائسة التي تحاول الموازنة بين إرضاء الأغلبية في المجتمع وبين نشر مبادئ المجتمع المدني لن تبوء إلا بالفشل، يجب على الدولة المصرية الالتزام بالخطابات التي تروج لها والتي تضمن سلامة المجتمع بكافة أطيافه المختلفة بدون تمييز وبدون احتكام لشهوات الأغلبية على حساب التنكيل بالأقليات، وذلك حتى لا نعود إلى عهد الظلام والتطرف والتكفير الذي شهد الشعب والدولة فساده ونَخر سرطاناته، وللإقدام على بناء هذا المجتمع الحميد الذي يقوم على أسس المواطنة والمدنية وينبذ الأسس الدينية المتطرفة، فيجب كبداية للانفراج إطلاق سراح كل سجين تم اعتقاله بسبب أفكاره الدينية، كمن هم على شاكلة المدون رضا عبد الرحمن القرآني، ومصطفى الرملي الشيعي، ومحمود يوسف الشيعي، والمدون أنس حسن الملحد أدمن صفحة الملحدين المصريين. وغيرهم وغيرهم، وذلك بالإضافة إلى إعادة النظر في المادة رقم 98 بالفقرة (و) من قانون العقوبات المعروفة بعنوان «ازدراء الأديان» والتي بموجبها يتم اضطهاد واعتقال الأقليات وأي فرد يعتنق أي فكرة مغايرة لِما اتفق عليه الأغلبية بالمجتمع بدون توجيه تُهم معتبرة أو موضوعية له، وهذه ما هي إلا مجرد بداية لرسم ملامح المجتمع المدني الذي يجعل الجميع سواسية في الحقوق والواجبات، ويجعل المشترك بين الأفراد هو الوطن لا الدين.

هذه كلمات كان قد كتبها رضا عبد الرحمن في رسالة له بعد مرور ستة أشهر على احتجازه: «كتبت العديد من المقالات والأبحاث أثبتّ من خلالها تناقض فكر الجماعات الدينية في العالم مع تشريعات القرآن (…) كل هذا عبّرت عنه في مقالات على مدونتي الخاصة (العدل الحرية السلام) قبل أن يُطلب مني التوقف عن الكتابة. وكان آخر مقال كتبته في شهر يوليو (تموز) 2015 بعد أن خرجت من اعتقال استمر يومًا واحدًا في نفس الشهر بنفس التهم، الانتماء للفكر القرآني ونشر الفكر القرآني.(…) إذن أنا معروف واتجاهي الفكري معلوم ومعروف وواضح وعبّرت عنه بكل وضوح على مدونتي حتى أمروني بالتوقف عن الكتابة في 7/ 2015، نفذت الأمر وتوقفت عن الكتابة منذ ذلك الحين على الرغم أن كتاباتي كانت تفضح الإرهاب وتكشف حقيقته وبُعده التام عن القرآن والإسلام (…) كتبت في هذا لكي أساعد الدولة في مواجهة الإرهاب سلميًّا بالقلم والكلمة. وذلك حسب تعليمات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، حين طالب بتجديد الخطاب الديني».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد