دور المجتمع في صنع السلام

هناك جانب صغير من الاهتمام العلمي الاجتماعي بالدين باعتباره عاملًا لتفريق المجتمعات والحكم على أخلاقها. سجلت أحداث التاريخ في الماضي والحاضر حدوث العديد من الحروب ذات الدافع الاخلاقي ضد الجماعات الدينية. الحملات الصليبية، التي تمثلت في اضطهاد اليهود خلال عدة فترات زمنية، كذلك الصراعات الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت في أوروبا في القرن السادس عشر والسابع عشر، وإعدام مئات المسيحيين في اليابان في القرن السابع عشر، وطرد المورمون من ميسوري وإلينوي في أربعينات القرن التاسع عشر. مرورًا إلى حرائق دافيدان الفرعية، ومذبحة المسلمين في كوسوفو، والصراعات المستمرة بين باكستان المسلمة، والهند الهندوسية، وما شهده الشرق الأوسط بداية الألفية الجديدة ليس إلا أمثلة قليلة على كيفية تحول الحراك تجاه الجماعات الدينية المغايرة إلى العنف. بالرغم من شيوع الاضطهاد والإعدام الجماعي والتطهير العرقي كأشكال متطرفة شائعة للسيطرة ضد الجماعات الدينية المغايرة، كذلك تم تبني العديد من الأساليب الأقل تطرفًا بشكل أكبر.

التحقير اللفظي باستخدام المصطلحات الدالة على الطوائف الدينية في بعض اللغات يوضح للأذهان بعض ما تقوم بعض الجماعات الدينية من اعتبار الجماعات الدينية المغايرة منحرفة، إضافة إلى وصفها بأنها عديمة الأخلاق بسبب معتقداتهم وسلوكياتهم. على الرغم من أن جميع الديانات الرئيسة الشائعة كانت قد بدأت كمجموعات منبوذة، متنافرة مع الثقافة السائدة وتتصف بسلوك يجعلها مميزة بسهولة على أنها غير طبيعية أو غير مشروعة. الكنيسة المسيحية الأولى مثلًا كانت غير قانونية خلال فترات معينة من السيطرة والاضطهاد الروماني – من قبل الرومان واليهود وغيرهم – بسبب تفشي الممارسات غير الأخلاقية التي كانت شائعة. لم يقتصر الأمر على اعتبارهم منحرفين لعدم عبادة الآلهة الرومانية واتباعهم الأعراف الدينية السائدة فقط، بل كانوا أيضًا موضوعًا لشائعات عن التضحية بالأطفال وأكل لحوم البشر.

لم يقف الحال إلى هذا الحد إذ غالبًا ما تم ربط التدين بالمرض العقلي، حيث إن العديد من الباحثين النفسيين والاجتماعيين القدامى افترضوا أن المؤمنين الدينيين كانوا على الأرجح يعانون من الوهم أو عرضة لأمراض عقلية (وبالتالي تم تصنيفهم على أنهم منحرفون بالمعايير الطبية السائدة في ذلك الوقت)، تم دحض هذه الفرضيات من خلال الدراسات الحديثة. إذ إن معظم الدراسات أفادت بأن أولئك الذين ينغمسون في تراثيات الإيمان أقل عرضة للاضطرابات العقلية التي يمكن تشخيصها، بل أنهم يمتلكون مستويات أعلى من الرضا والسعادة. هنا تتجلى الجوانب المفيدة للانتماء إلى مجتمع من النظراء المتشابهين في التفكير الذي يولد المزيد من الدعم الاجتماعي، عكس التأثير الفردي للانخراط في المعتقدات والديانات الفردية.

شرارة العنف الديني اصبحت عالمية وتؤثر فعليًا على كل الجماعات الدينية في العالم تقريبًا. أشار تقرير حقوق الأقليات لعام 2018 إلى أن عمليات القتل الجماعي وغيرها من الأمور الفظيعة تتزايد في البلدان المتضررة بالحروب وكذلك غير المتأثرة بها على حد سواء. في حين تم تسجيل مواجهات دامية في أكثر من 50 دولة، تركزت معظم الحوادث المميتة التي أبلغت عنها الأقليات في سوريا، والعراق، ونيجيريا، والهند، وميانمار، وباكستان، وبنجلاديش. إذ ازدادت الأعمال العدائية ضد المسلمين واليهود في جميع أنحاء أوروبا، وكذلك التهديدات ضد الهندوس في أكثر من 18 دولة. ومما زاد الطين بلة، فرضت 55 دولة من بين 198 دولة في العالم قيودًا شديدة على الأديان، وخاصة مصر وروسيا، والهند، وإندونيسيا، وتركيا.

كيف تحولت الأديان – التي من المفترض أنها تتبنى السلام والحب والوئام – الى سلوك اتسم بالتعصب والعدوان العنيف؟ جدلية انقسم علماء الاجتماع حول اسبابها. فمنهم من يرى أنه حتى عندما يستخدم المتطرفون النصوص اللاهوتية لتبرير تصرفاتهم، فإن العنف «الديني» لا يمكن أن يمت للدين بصلة على الإطلاق، بل هو تحريف للتعاليم الدينية الأساسية. يعتقد آخرون أن الأديان عن طريق تغذيتها لمبادئ اليقين المطلق والقدسية، فهي غالبًا ما تكون السبب الجذري للمشكلة. في الوقت نفسه، ذهب البعض إلى اتجاه أن الأشكال التقليدية للأديان الهرمية (مثل الشيعة) وغير الهرمية (مثل البوذية) يمكن أن تكون عرضة لممارسات تفسير الشريعة لتبرير أو حتى تبني اعمال العنف.

خلال عدة قرون، كل الاديان التقليدية أما وقعت ضحية للعنف أو مارسته على غيرها. فالفكر الديني أسس لعقيدة «الحرب العادلة» في قضايا الدفاع عن النفس، لمنع المغاير من الهجوم، ومعاقبة الأعداء المذنبين. إن المسيحيين، والبوذيين، والهندوس، واليهود، والمسلمين، والسيخ، وآخرين قد استندوا إلى العنف منذ زمن طويل باسم الدين. في بعض الحالات تصطدم الحكومات بالدين ذلك يؤدي غالبًا إلى عنف جماعي. لسوء الحظ، من غير المرجح أن يزول خطر العنف الطائفي: لوجود أكثر من 84٪ من سكان العالم يرون أنفسهم منتمين إلى جماعات دينية.

وصف العنف المستوحى من التعصب الديني أسهل من تعريفه. إذ يمتد من التخويف والمضايقة والاعتقال إلى الإرهاب والحرب الصريحة. عادةً ما تنشأ عندما يتم الاعتراض بشكل أساسي على المعتقدات الأساسية التي تحدد هوية المجموعة. يتم تبني هذا التصعيد من قبل المجتمعات الدينية «داخل المجموعة» ضد المجتمعات الأخرى «خارج المجموعة»، وغالبًا بمساعدة الزعماء الدينيين الأصوليين. يفسر الشعور بالتهديد بين افراد المجموعة على أنه «قلق اجتماعي لكره المختلف»، والذي – عندما يقترن بالاستبعاد السياسي والثقافي وعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية – يمكن أن يتحول إلى عنف جسدي شديد.

في حقبة الاضطراب وعدم اليقين، قد يوفر العمل بين الأديان الترياق الهام للعنف الديني. تستطيع المجتمعات الدينية أن تقدم تذكيرًا بالمبادئ الأساسية لإنسانيتنا المشتركة. على الرغم من أنها ليست حكرًا حصريًا على الجماعات الدينية، فإن الانتشار الواعي لقيم التعاطف والرحمة والتسامح والإيثار ضروري اليوم أكثر من أي وقت مضى. إن الدعوات المستمرة إلى الصبر والتسامح والتفاهم والحوار وجهًا لوجه والمصالحة أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى بالنظر إلى الاستقطاب المتصاعد اليوم والهوية الخطيرة التي توفرها وسائل التواصل الاجتماعي.

تعاني جهود الأديان لمنع العنف وتعزيز السلام من مشكلة المصداقية. جزء من السبب في ذلك هو أن الجماعات الدينية كثيرًا ما تتبنى منهجية «بستان الالف زهرة» في بناء السلام – أي القيام بأنشطة متعددة دون دليل قوي على فعاليتها. يمكن أن تكون مؤسسات الحوار بين الأديان فعالة، لكن النجاح غالبًا ما ينخفض إلى المدى الذي يمكن للزعماء الدينيين العمل فيه مع «الرجال المؤثرين» داخل مجتمعاتهم لتهدئة المتهورين ومنع التصعيد. في النهاية يجب أن تلتزم الجماعات الدينية بأعلى المعايير. هذا يتطلب على الأقل عدم الإضرار. وهذا يعني أيضًا أن تكون مسؤولًا عن ماهية الاستراتيجيات التي تتبناها، وأيها لا تنجح.

أحد أكبر التحديات يتمثل بقلة ما يتم توثيقه من حالات نجاح التوافق بين الأديان لتعزيز السلام والمصالحة، وعدم الاحتفاء بها كثيرًا. كذلك فإن الدعم الضعيف المقدم للمبادرات السياسية رفيعة المستوى لا يتم تسجيله، مع وجود العديد من المنظمات التي نجحت في الحد من الكراهية وبناء السلام والتي تمثل اليوم ثمرة الحوار بين الأديان، حتى لو لم تكن تحصل على التقدير الكافي. بالإمكان سد هذه الفجوة من خلال تطوير شراكات مع الجامعات والقيام برصد وتقييم قويين. بهذه الطريقة، يمكن لمجموعات الأديان أن تفهم بشكل أفضل كيف تعمل بنية السلام، وما هي الأنشطة التي يجب التخلص منها.

أخيرًا يمكن للمجموعات الدينية والمجتمع المؤمن أن يكونوا أكثر فاعلية في صنع السلام. هذا سيتطلب من المنظمات الدينية المتشابهة في التفكير مغادرة المنطقة الآمنة والمشاركة بشكل أكثر اندماجًا مع الوكالات الدولية ومجتمع الأعمال. الزعماء الدينيون يجب أن يكونوا أكثر انفتاحًا على التكنولوجيات الحديثة، ولا سيما وسائل التواصل الاجتماعي، لإيجاد طرق لتعزيز القيم الإيجابية داخل المجتمع. كذلك الحاجة إلى تسويق أفضل للحالات الناجحة للتعاون بين الأديان – من خلال شبكات قوية مثل تجمعات الدين لأجل السلام. إذ إن الإشارات ورموز العمل الجماعي بين الفئات الدينية المختلفة مطلوبة أكثر من أي وقت مضى في عالمنا الحالي المضطرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد