ماذا سَيفعل امرؤ نشأ وترعرع في بساط مؤسسات دينية تستمد وجودها من السّلطة الحاكمة في بلاده، غير أنْ يَصير تابعًا لها مهما كلفه الأمر؟!

فبعد أنْ تربى على أيدي مشايخ هذه المؤسسات، وصَقل شخصه وعقله بما يقولونه.. ولم يكلف نفسه عناء البحث والتّدبر والتّفكير.. لم يبقَ له إلا  أنّ يُصبح تابعًا لهذه المؤسسة.. يراها الحق وحده.. لا يجرؤ على انتقادها.. لا يرى الحق في غيرها، بل صار تابعًا مَغمض العينين موثق اليدين لا يفتح عينيه إلا إذا سُمح له، لا يتحدث إلا إذا أعطي الإذن، لا يبحث عن الحق إلا إذا أراد أن يُسكت غيره.. من باب (كلمة حق أراد بها باطل).

وَصار عالة على الإسلام.. لا مُعيلا له.. لأنّ أفكاره نتاج مَشوش لخليط آراء صنعها الحاكم لمؤسسته الدينية، كي تظل في عباءته، فلا تخرج عنها، ولا يخرج عنها المواطن البسيط، الذي يستمد ثقافته الدينية من تلك المؤسسات، فيصبح كل من خارج هذه المؤسسات، مُكفر بفعل النّاس، الذين اعتادوا هذه المؤسسات، ورأوا أنّها الصّواب المُطلق.

وَساعد الإعلام الموجه هذه المؤسسات التي بدأنا نراها صناعة مخابراتية عربية، لا علاقة للدين بها، ساعد هذه المؤسسات على التغلغل في المجتمعات، وبدأ بتصدير مشايخ سمّوا أنفسهم بالـ(مودرن) وانفتحوا على كافة طبقات الشّعب، الشباب منهم خاصة، وأخذوا بإعادة تشكيل الوعي الديني لدى الكثيرين.. وصاروا أيقونة، حتى أنّ أحدهم كادوا يُطلقون عليه مُجدد العصر، لولا أنْ فضح الله أمره وسقط سقوطًا ذريعًا.. وأحدهم بعد أنْ دَجل على النّاس عبر برامجه الكثير الكثير.. جاء آخرون وكُثر ليفضحوا سرقاته، وَ آخر أتقن فن التمثيل، خاصة في المواقف العصيبة للأمة، وآخر عُرف عنه محاكمته ضد سرقاته لكتب غيره.. وآخرون سكتوا عن دماء المسلمين التي تنزف إرضاء للحاكم، والبعض تنحى من المشهد السياسي حين رأى مُعاون الملك الذي يطمح للزعامة يعتقل مُعارضيه.. وَبهذا المَشهد اكتمل سقوط هذه المؤسسات التي أكلت عقولنا ردحًا من الزمان.

وَهكذا تُرك المَشهد السياسي في بلادنا حكرا للحاكم، مؤيدًا ببعض العمامات التي لا تعرف الحق، وإنْ عرفته لا تجرؤ على قوله، فصرنا أمام مواطن ساذج يتجنب الحديث بكل ما يغضب المسؤول أو الملك أو الزعيم، وأمام حُكام لا يتورعون في قتل وَسجن وَ سحل من يُخالفهم، أو من يُنكر عليهم الحرام، وأمام عمامات تُسوغ للحاكم ما يفعل وتحلل.

وصارت مؤسساتنا الدينية التي احترمناها زمنا، مُجرد سراب في صَحراء، كلما اقتربنا منه، زادنا عطشا،بل بعضها سقط سقوطًا ذريعًا ومدويًا، بعد أنْ تبدل علماؤها بأتباع الملوك والسّلاطين، وكان لزامًا على العلماء الصّادقين أهل الحق، ألا يتوانوا لحظة في تبيان الحقائق لعامة النّاس، وأنّ يعرفوهم أنّ الدين لا يرتبط بلباس ولحية وعباءة، ودشداشة ولا غيرها. الدّين حوار العقول الواعية، ولغة القلوب الصّادقة العارفة، وفطرة النّفس السليمة، التي تأبي ما يُعكر صفو الإنسانية، وترفض احتكار الثراء في طبقة الحاكم ومن والاه وتنكر الفقر والعوز الذي يغرق فيه المجتمع، النّفس التي تعرف أنْ الحق للجميع، من أخذه عنوة فهو ظالم، النّفس التي ترفض الاستسلام والعبودية، والذل.. النفس التي لا تعرف الانقياد إلا لله.. والتي لا تُسلّم لحاكم مهما كان.. النّفس التي ترى الحاكم أو الملك أو القائد ما جاء إلا لخدمة النّاس، فتكون قادرة على محاكمته إنّ قصر.. تتخذ في ذلك خليفة رسول الله قدوة.. حين قال: (قوموني).. أمّا من جاء ليكون هو السّيد والشّعب عبيد.. فالنّفوس الحرة ترفضه؛ لأنّها تعرف أنّها لن تنحني إلا لله.. مهما حاولت مؤسساته الدينية تجميله وتحسينه فما هو إلا وهن وسراب.

سقوط تلك المؤسسات أعادنا لقصص الأنبياء وبحثهم الدّائم عن الله، بحثهم بعيدًا عن البَشر، فهي دروس عُلمها من قبلنا، وعُلمناها نحن، أنّ الدين أكبر من المؤسسات وغير مرتبط بها، ولا يحتكره شيخ ولا عالم ولا غيره، الدّين بالفطرة، تأتي به العقيدة السّليمة،القائمة على التّدبر والتّعلم، فأولى مدارسك في هذا الزمان قرآن يُتلى وكونٌ يُرتل.. وَحواس تُدرك وتتدبر.. وَقلبٌ ذو يقين.. يظل باحثًا عن الحق أنّى كان.. ديدنه الإنسانية.. من كفر بها كفر بربه.

فالحاكم الذي يُسخر مؤسسته الدينية لتوافق رأيه، هو ضال مُضل، ومن وافقه ممن ادّعى أنّه عالم؛ لأنّ الحاكم الحق من تبع المؤسسات الدينية، ومن نزل على رأي العلماء لا العكس.. وقد حدثتنا الكتب الكثير من قصص السابقين تلك .. ولا زلنا نذكر العز بن عبد السّلام، أشهر من رفض بيع دينه بدنياه، والإمام أحمد بن حنبل وغيره من العلماء.

وأيضا نذكر السّلطان سليمان القانوني الذي اشتُهر بأنه لن يُقْدم على أمرٍ دون الحصول على فتوى من شيخ الإسلام، وبذا كان القادة العظام هم من يمتثلون بأمر مشايخهم الصّادقين وعلمائهم المخلصين لا العكس أبدًا.

فهذا الدّين لله.. من أراده لله أتاه حيث هو، ومن أراده لملك أو حاكم التوى.. ونافق.. وباع دينه بدنياه!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد