“لا قيمة للحرية، إذا لم تتضمّن حرية ارتكاب الأخطاء”.

مهاتما غاندي

 

منذ فجر التاريخ، وقبل نحو 30.000 عام قبل الميلاد، ومفهوم الدين متأصّل في تكوين الإنسان القديم، شأنه شأن الفن، كليهما يساعده للعثور على قيمة لحياته، ولتشكيل معنى في مواجهة آلام الحياة ومآسيها القاسية، وهو ما تجسّد في الطقوس الشعائرية للصيد وخلافه التي دوّنها إنسان العصر الحجري في شكل رسومات على جدران الكهوف. وكان المؤرّخ الإغريقي بلوتارخ على حق تمامًا عندما قال مقولته الشهيرة: “قد نجد مدنًا بلا أسوار أو بدون ملوك أو حضارة أو مسرح، ولكن لم يَر إنسان مدينة بدون أماكن للعبادة والعُباد”.

ومنذ فجر التاريخ أيضًا، والإنسان حائر يتخبّط بين الخير والشَر، ولكنه أبدًا لم يَكن بريئًا، وهو لُب القصة الإنجيلية التي تبنّتها الأديان السماوية جميعها، والتي تتعلّق بهبوط آدم من الجنة بسبب خطيئته الأولى التي ارتكبها بمحض إرادته وأكل الثمرة الممنوعة.

 

وبخلاف الجدل السائد حول ما إذا كانت هذه الخطيئة تورّث أم لا، فإنه منذ هذه اللحظة والإنسان لم يَنجح في التخلّص من الحرية في الاختيار؛ فهو أبدًا ليس بريئًا مثل المخلوقات الأخرى، وإنما عليه أن يختار بين أن يكون خيّرًا أو شريرًا، عليه أن يكون إنسانًا فحسب؛ فهذه القدرة على الاختيار بغض الطرف عن نتيجة هذا الاختيار، هي “أعلى شكل من أشكال الوجود الممكن في هذا الكون”، على حَد قول “علي عزت بيجوفيتش” في كتابه “الإسلام بين الشرق والغرب”.

 

هذا المفهوم ذاته الذي ينفرد به الإنسان عن باقي سائر المخلوقات، هو ما يجعله أيضًا ينحى منحًا وسلوكًا غير عقلاني وغير تقليدي؛ فهو دائمًا متعذّر الفهم، غير راضٍ، معذّب الفكر بالخوف والشك في جدوى الوجود، وفي صراع أبدي بين ضمير يعذّبه ومصلحة تُلحّ عليه. باختصار، يعيش الإنسان في دراما مستمرة لا تَعرف فكرة ما يُسمى بالأمن أو الاستقرار الاجتماعي.

 

بمعنى آخر، لا يَعرف الإنسان ما يُسمى بمفهوم اليوتوبيا أو الطوبيا التي نادت بها أعمال فنية خالدة شأن “الجمهورية الفاضلة” لأفلاطون، أو “يوتوبيا” توماس مور، أو حتى “عالم جديد شجاع” لألدوس هيكسلي، حيث المساواة والاستقرار والتماثل بين كافة البَشر، مما يعني المحو التام للإنسانية!

 

وإذا ما وجّهنا الحديث نحو ثورات الربيع العربي التي لا تخلو من الدراما، بدءًا من اندلاع شرارتها في تونس وهروب الرئيس التونسي زين العابدين بن علي خارج البلاد، مرورًا بالاحتجاجات غير المسبوقة على نظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك وتنحيه “مُكرهًا” عن الحكم، وتَرك إدارة البلاد للمجلس الأعلى للقوات المسلّحة، قبل إجراء أول انتخابات ديمقراطية رئاسية في تاريخ البلاد، وتولي محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين الرئاسة، ثم قيام ثورة شعبية ضد الأخير أيدتها القوات المسلحة ولفيف كبير من السياسيين ورجال الدولة انتهت إلى إجراء انتخابات رئاسية أخرى، أسفرت عن فوز وزير الدفاع السابق المشير عبد الفتاح السيسي بها، وصولاً لاحتجاجات مماثلة في ليبيا أنهت حكم العقيد معمر القذافي وقتله في نهاية المطاف، وغَرق البلاد في صراعات داخلية حتى كتابة هذه السطور.

ولم يختلف الأمر بالنسبة لسوريا، التي خَلّفت احتجاجات شعبية، حيث سقط ما يقرب من 200.000 قتيل في الصراع الدائر بين قوات الرئيس بشار الأسد والمعارضة المسلحة، ناهيك عن الثورة اليمنية التي أجبرت الرئيس علي عبد الله صالح على التنحي.

 

ومنذ أواخر عام 2010، وثورات الربيع العربي التي نادت بمبادئ الحرية والديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية والرخاء الاقتصادي، تُرَى من منظور سلبي، سواء من جانب السياسيين حول العالم، أو حتى المفكرين الكُبار؛ فها هو المؤرخ ذائع الصيت “برنارد لويس” يرى أنها لا تتعلّق إطلاقًا بالديمقراطية.

 

في حين وصَف رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” ثورات الربيع العربي بأنها “موجة إسلامية، معادية للغرب، وغير متسامحة، ومعادية لإسرائيل، وأيضًا غير ديمقراطية”. أما الكاتب البريطاني “نايبول” الحائز على جائزة نوبل للآداب، فكان ردّ فعله الأوّلي عن تلك الثورات أنها “لا شيء، ستأتي وتَذهب، وسنعود لنقطة البداية مُجددًا… الفوضى وحُكم رجل واحد، تمامًا مثلما تنتهي هذه الأشياء عادة في العالم الإسلامي”!

 

وبسبب الصراعات التي خلّفتها ثورات الربيع العربي، وأيضًا هذا الكمّ الهائل من الشهداء، لا سيما في سوريا، فضلاً عن حالة الإحباط واليأس والفراغ الأمني والكساد الاقتصادي واستيلاء المتطرّفين على الحكم في بعض بلاد الربيع العربي، بل و”تلوّن” بعض الثوّار أنفسهم وانشغالهم بمصلحتهم الشخصية، وغيرها من المعضلات الرئيسة التي نجمت عن تلك الثورات بالمنطقة العربية، فإن العديد من الأنُاس العاديين غير المنتمين لأي أطراف سياسية أو يدينون بالولاء لأي فصيل أو جماعة ما، والذين دعّموا تلك الثورات في أول الأمر، يَرون أن ويلات ثورات الربيع العربي أكثر بكثير من حسناته.

 

ويا حبّذا لو تعود عجلة الزمان إلى الوراء ويتم إجهاض هذه الثورات في المهد أو عدم التفكير، مجرد التفكير، في الخروج على حُكام هذه الدول العربية، مهما فعلوا!

 

مثل هؤلاء الأُناس، وهم كَثرة، أقرب في معتقاداتهم إلى الإنسان الدارويني و”السوبرمان” عند نيتشه، فهم يريدون كائنًا دون إنسانية أو مأساوية أو حتى الشعور بالفجيعة، هم أقرب إلى تفكير إبيقور وهولباخ اللذين يران أن الإنسان “يَسعى إلى المتعة ويهرب من الألم”.

 

بمعنى آخر، تتفق آراؤهم عن العالم حولهم مع تفاهة سارتر وعدمية كامي بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية؛ فالعدمية ما هي إلا خيبة أمل وفشل بسبب الافتقار إلى الخير في هذا العالم، كما أن كل شيء تافه وإلى زوال طالما الإنسان نفسه يموت إلى الأبد.

 

مثل هؤلاء الأناس يميلون إلى تفسير الحياة بالوسائل العلمية فقط، رغم أنه لا ينفع مع الحياة الرؤية الداروينية ذات الخط المستقيم التي تذهب إلى الاختيار ما بين الأبيض أو الأسود، الخير أو الشر، الربيع العربي أو الشتاء القارس!

 

إن الثورات في مجملها وفقًا للباحث في شؤون الثورات “جيف غودوين” تتضمّن “ليس فقط حشدًا جماهيريًّا كبيرًا أو تغيّرًا في النظام الحاكم، ولكن، إلى حد بعيد أو قريب، تتضمّن تغيّرًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا يتم بصورة سريعة، خلال أو بعد صراع السيطرة على البلاد بفترة وجيزة”.

 

ومنذ اندلاع الثورات في العصر الحديث، أو التغيّرات الاجتماعية والسياسية التي شهدها العالم في غضون القرون القليلة الماضية، نجد أن مسار أي تغيّر يحدث يأخذ وقتًا طويلاً نسبيًّا؛ فرغم أن الدستور الأمريكي ينصّ منذ كتابته على أن المواطنين جميعًا سواسية، إلا أن الأمر استغرق أكثر من قرنين ونصف القرن لتولّي رئيس أمريكي ذي بشرة سمراء حُكم البلاد، كما أن البريطانيين أخذوا ما يقرب من 800 عام حتى نجحوا في إبعاد الملك الذي يحكم باسم الدين عن إدارتها، ليصبح منصبًا شرفيًّا.

 

إذن فإن تلك التغيّرات الاجتماعية والسياسية عادة ما تأخذ وقتًا طويلاً لجني ثمراتها الإيجابية.

 

وفي هذا السياق، لا يمكن غض الطرف عن الهجوم الذي تعرضت له رواية “الحيد المائي” الصينية الكلاسيكية التي يعود جذورها لأكثر من 300 عام، والتي تُعرف في الغرب باسم “جميع البشر أخوة”.

 

تلك الرواية التي تَصف ثورة الفلاحين على الإدارة الإمبراطورية خلال القرن الـ 12 الميلادي، جاءت بتعاليم سلبية عديدة، أهمها تجسيد ثقافة الإذعان والاستسلام، فضلاً عن أنها ضد المسؤولين الفاسدين فقط، وليست ضد الإمبراطور نفسه الذي تم تصويره على أنه قد غُرر به على يد هؤلاء المسؤولين الفاسدين.

أيضًا رسالة هذه الرواية توحي بأن جميع الناس أخوة، كما أن وفاء هؤلاء الثوار لبعضهم يفوق حتى ولائهم لعائلاتهم. وبطبيعة الحال، توالت سهام النقد على هذه الرواية “غير الواقعية” ذات المدخل الـ “لا طبقي” المليئة بالأبطال الوهميين من كل حدب وصوب!

 

تلك الرؤية “الحالمة” عن الثورات التي يحاول بعض الكُتّاب تمريرها أمثال “شي نايان” كاتب رواية “الحيد المائي” السابق ذكرها، أو الصورة الطوباوية “يوتوبيا” للمجتمع المثالي المتكامل التي يحاول أفلاطون وتوماس مور وألدوس هيكسلي وغيرهم التأكيد عليها، إنما تبتعد في جوهرها وتاريخها عن مفهوم الدراما الإنسانية التي هي لُب الإيمان ونتاج الدين.

فالإنسان لم ولن يكن مفصّلاً على طرازي داروين ونيتشه العلميين، كما أن صفة اليوتوبيا أو الطوبيا نحو الأمن الاجتماعي إنما قد تتواجد فقط في مجتمع الحيوان الكامل، مثلما نرى في خلايا النحل وكثبان النمل وأسراب الجراد، بينما الإنسان خُلق من رحم المعاناة ليعيّش في كَبَد، كما يقول الله عز وجل في القرآن بسورة البلد: “لقد خَلَقنا الإنسان في كَبَد”.

واللذة لم تكن دائمًا هي الخير، والألم لم يَكن مرادفًا للشر؛ فتلك المعايير المادية التي نادى بها “بنتام” صاحب مذهب المنفعة والذي قال: “لقد أخضعت الطبيعة البشر لحكم سيدين، هما: اللذة والألم. فهما وحدهما اللذان يحكمان أفعالنا”، لا يجب أن تُطبّق على ثورات الربيع العربي. وإن أخطأ الثوّار في أشياء عدة، فهذا يرجع إلى كونهم أُناسًا في المقام الأول؛ يميلون نحو ارتكاب الأخطاء والوقوع في براثن الإثم والخطيئة، أكثر من قدرتهم على التسامي في مراقي الفضيلة.

 

ونجد ذلك واضحًا جليًّا في سورة يوسف على لسان امرأة العزيز: “وما أُبرِئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم”.

 

في نهاية المطاف، هؤلاء البشر الذين ينتقدون ثورات الربيع العربي إنما ينزعون عن الثوّار أنفسهم صفة الإنسانية واللمسة الإلهية التي جعلتنا أحرارًا نختار ما نشاء، ونُحاسب عليه في النهاية.

كما أن هؤلاء “الجلاّدين” يتناسون أن عالم الطوبيا أو “اليوتوبيا” غير موجود سوى في مخيلة الكُتّاب والأدباء، بينما هذا العالم الذي نعيش على ظهره لا يخلو من الدراما والمحن والفواجع البشرية، وإن هذه الدراما هي لُب الإيمان، والصبر إنما هو عقيدة المؤمن. وإذا كان المشهد اليوم يعجّ بالمآسي والفواجع، فإن غدًا دون شك سيكون أفضل، طالما آمنا جميعًا بهذا، مع العمل على تغيير هذا الواقع المرير إلى آخر مشرق.

وحتى لا يتم فهم هذا المقال خطأ، فإنني ها هنا لا أدعو إلى عدم محاسبة أي شخص ارتكب خطأ بداعي أننا جميعًا نخطئ، وإنما أدعو إلى عدم الإغراق في التغافل أو سذاجة الفكر والقول بأن الحال سابقًا كان على أفضل ما يُرام، وأن الأمر لم يَكن بحاجة إلى تغيير جذري وشامل.

وأي تغيير في العالم، لا يجيء على طبق من ذهب، إنما يجب السعي إليه وتقديم التضحيات، وأيضًا تقبّل النتيجة مهما كانت؛ فهذا كله ناموسًا من نواميس الحياة وجزءًا أصيلاً من عقيدة المؤمن، مع التذكّر الدائم بأن كل عُسر معه يُسر ملازمًا له. ولكن، للأسف، أكثر الناس لا يعلمون!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد