مما يظهر بصورة لا بأس بها من الوضوح في التيارات الإسلامية المنغلقة فكريًّا وتنظيميًّا، أو الهلامية تنظيميًّا ومنغلقة فكريًّا، أو حتى الهلامية تنظيميًّا وفكريًّا، ظاهرة «احتكار الحق المطلق».

فنفسية العقل المتدين والملتزم دينيًّا، أو من نمت لديه ميول دينية ثقافية أو عملية -سواء انضم لتيار أو تنظيم ما أو بقى ضمن غوغاء المجموع- ينشط لديها بقوة فيروس محورة وبلورة وتوحيد الأفكار الكبرى، والرسائل العظمى في شخص، أو مؤسسة، أو تنظيم. نعم، هو لا يعترف بالعبودية على مستوى التنظير، ولكنه رهين لها على مستوى التفعيل.

ويمكن التعرض لذلك في المفردات الآتية:

– يصبح التنظيم الذي انتمى إليه هو الأمل الوحيد للعالم للخلاص من معاناته على كافة الأصعدة والمستويات، ويصبح الشخص المؤلَّه هو مصدر المعرفة الوحيد، ولا أحد أحق منه بالتنظير وإصدار الأحكام، وتصبح الفكرة التي تبناها وتربى عليها هي التي تعطي للحياة معنى؛ لأنها الفكرة التي تحمل الحق المطلق والتي أراد الله لبني الإنسان أن يعتنقوها، وتصبح المؤسسة التي سلمها عقله وكيانه هي المحركة لكل نشاط عقلي، أو بدني، أو شعوري.

– يصبح الولاء والبراء عند تلك العقلية على شيخه، أو تنظيمه، أو مؤسسته. فالولاء والبراء يتحول من مبدأ حاكم على الأفكار، إلى مبدأ حاكم على الأشخاص والتنظيمات والمؤسسات، ومن هنا تنطلق موجة تسونامية تكفيرية لمؤسسات وتيارات وتنظيمات جملة واحدة «حفلة تكفير جماعي».

– تسيطر على تلك العقلية فكرة الحق المطلق في فكرة واحدة. إنها ترفض تمامًا نسبية الحق وتجزئته. والأفكار عندها ثنائية التصنيف، إما باطل، وإما حق. فكل خير فيما لا يعتقدون يحملونه على ما يحمل من باطل، وكل شر فيما يعتقدونه يؤولونه على ما يحمل من خير. وهنا يبدأ العقل مرحلة السفر خارج كوكب الموضوعية والتجرد؛ ليغوص في فضاء التحيز واتباع الهوى.

– تلك العقلية لا تعترف إلا بمصدر واحد للمعرفة، فالقول ما قال الشيخ، والأمر ما استقر عليه التنظيم، والخير فيما صدعت به المؤسسة. «لا صوت يعلو فوق صوت الشيخ أو المؤسسة أو التنظيم». الجهل وعدم الفهم وضعف الإدراك هي تهم معلبة يتم ترصيصها لمن حاول أن ينطق بغير ما يعتقدون فيه المعرفة المطلقة.

– اعتقاد الحق المطلق في فكرة وحصر المعرفة المطلقة في مؤسسة أو تنظيم، يجعل من تلك العقلية قوة ضاغطة بشكل كبير على نفسية الفرد وأعصابه؛ مما يسوقه سوقًا للعدائية بكل صورها، عدائية فكرية، عدائية نفسية، عدائية لفظية، وتصل في بعض التيارات إلى عدائية مسلحة، وكثير منهم يعيش تحت مظلة «داعشيين منزوعي السلاح».

– اعتقاد الحق المطلق في فكرة وحصر المعرفة المطلقة في مؤسسة أو تنظيم، يجعل نسبة القطع واليقين في الاعتقادات أكبر بكثير من نسبة الظن. ولذلك هو يرى كل محاولة للنقد والنقاش وطرح ما يعتقد من أفكار على طاولة البحث، هو بمثابة تشكيك في الدين، وزعزعة اليقين في الإيمان. إنه يلتزم في حديثه قوة الجزم، وتستثار أعصابه نارًا حين يتم مواجهته بما يخالف ما يعتقد، ويتفق مع قواعد وبراهين العلم والمنطق.

– تلك العقلية تذوب استقلاليتها وتتوحد مع الشيخ، أو المؤسسة، أو التنظيم. فهو يفقد ثقته في عقله ورشده أمام شيخه، ويفقد ثقته في فهمه أمام تنظيمه، ويفقد ثقته في مكرمات إنسانيته أمام مؤسسته. إنه يسلم مفاتيح عقله وقلبه وبدنه لمن يعتقد فيه الحق المطلق، والمعرفة المطلقة.

– بما تظنه تلك العقلية من امتلاك لمقومات السيادة من امتلاك للحق المطلق والمعرفة المطلقة، تجعل من نفسها محورًا ومركزًا للكون. ففكره هو مقياس ومعيار رشد أو ضلال لكل الأفكار، وشيخه هو معيار العلم والجهل لكل العلماء، ورؤيته للعالم المحلي والعالمي هي معيار لكل الرؤى والأطروحات. أنت مطالب دائمًا أن تستغفر ربك وتتوب إليه وترجع إلى جادة الطريق والصراط المستقيم الذي هو ما يعتقد فيه.

– لا تسلم تلك العقلية من وحل ادعاء العصمة لما يعتقدون. هم ينكرونها نظريًّا، ولكنهم حبيسوها على أرض الواقع، ويتجلى ذلك في تعصبهم وتبريرهم الدائم لكل ما يناقض ما يعتقدون. إنهم لا يقرون بخطأ وإن اضطروا أمام قوة البرهان، فيردون الأمر إلى أن من هو أعلى أكثر علمًا ودرايةً وفهمًا.

– تصاب تلك العقلية بداء الغربة النفسية المفضية للعزلة عن العالم، أو التعامل مع العالم على أنه شر لا بد منه. وهنا يظهر التعالي بما يحمل على الناس والمؤسسات والتنظيمات الأخرى. ويتم هنا استدعاء قوله صلى الله عليه وسلم: «طوبى للغرباء». ذلك التعالي والشعور بالغربة يتأصل يومًا بعد يوم؛ حتى يتحول الإنسان إلى كتلة من الطاقة السلبية نحو مجتمعه والعالم أجمع.

إن ذلك الطريق سلكه العقل طوع إرادته من أول خطوة فيه، ولكن الشيخ أو التنظيم أو المؤسسة حين تلقفه أخذ بيده حتى جعل منه عبدًا له، عبدًا لأوامره ونواهيه، قالبًا يصب فيه معتقداته وأفكاره وأطروحاته ورؤاه، بل جعل من أداة وسلاح حرب مع ما يناقضه ويكشف زيفه. الجريمة مركبة بين عقل ضال وشيخ مضل، بين شعور متحير ومؤسسة متسلقة، بين قوة مهدرة وتنظيم مستغل. لا يمكن أن تصفو الفروع والمنبع عكر.

وعلى كل ومهما يكن، فلا يمكن أبدًا أن نتعامل مع تلك العقلية بما نذمه فيهم، فلا يمكن أن نقصيهم بالقوانين أو مواجهة بعدائية المجتمع وقوة السلاح، بل لا أكون مبالغًا حد التساهل إن قلت: ينبغي أن نعطي لأنفسنا فرصة أن يكونوا هم على الحق، أو يملكوا على الأقل جزءًا منه، فنحن كناقدين لأفكارهم تلك، نتبنى أن ما من فكرة إلا وفيها جزء من الحق، حتى وإن اختلفنا على مقداره.

فهم يمتلكون شجاعة كبيرة في الدفاع عن معتقدهم، والاستعداد للتضحية بالنفس من أجله، هم يمتلكون درجة عالية من الوفاء والإخلاص لمعتقداتهم، هم لديهم قدرة فائقة على تحمل كافة التبعات الاقتصادية والمجتمعية الناجمة عن التمسك بمعتقداتهم. المرض يحتاج لمشرط طبيب، وليس لسكين جزار.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد