لعلّنا اليوم عندما نأتي للحديث عن ميزات هذا العصر، أول ما يتبادر إلى أذهاننا هو وسمه بأنه زمان السرعة والقرب كذلك، حيث أضحى العالم كله عبارة عن قرية صغيرة، وذلك يُسهّل علينا الوصول إلى جميع المعلومات التي نحتاجها، والاطلاع على شتى الثقافات الأخرى كذلك، وكلّ ذلك بمجرد كبسة زر، بدون شك هذا من إيجابيات هذه العولمة التي أضحت تجتاح العالم اليوم، أو هكذا نظن على الأقل!، غير أن الوصول إلى المعلومة فقط لا يكفي، بل يجب أن نميّز جيدها من فاسدها، وأصلحها من زائفها، وما ينفعنا منها وما قد يعود علينا بالضرر، لكن للأسف وسط غياب المراقبة والتوجيه للشباب العربي، لا يُمكن التكهّن بمدى خطورة ما يَتلقّون ولا كيف سينعكس كل ذلك على حياتهم وعلاقاتهم بمجتمعاتهم وثقافتهم!

إذا أثرنا هذا الموضوع لا شك أننا سنجد الحديث فيه ذا شجون، غير أني سأقتصر على جانب منه في هذه التدوينة، كلّنا نُدرك أنه اليوم في الوطن العربي أصبح هناك العديد من المواقع التي تُسّهل الوصول لعدة أفلام ومسلسلات غربية، ليس هذا فحسب، بل هناك كذلك أغان وكتب، وربما برامج، ولم لا منصات إلكترونية… مما يُسهل على الشباب اليوم -خاصة إذا كانوا يتقنون اللغات الأخرى- الاطلاع على فكر الآخر وثقافته، وهذا مبدئيًا ربما شيء إجابي ومحمود، لكنه إذا ما أمعنا فيه النظر قليلا سنجد خلاف ذلك ربما.

لنأخذ مثلا كيفية تصور «الله» فكلنا على سبيل المثال عندما نُشاهد أفلامًا أو نقرأ روايات أو كتبًا معينة من تلك الوافدة إلينا، نجد الكثير منها – خاصة تلك التي تصل إلى أكبر شريحة من المجتمع وهي الشريحة الشعبية – تصف الله، على أنه شخص هرم ذو لحية بيضاء يجلس فوق كرسي، في مكان ما في هذا الكون ويتطلع إلى هذا الإنسان على الأرض، «تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا» دعنا الآن من اعتقادك أوّل الأمر أن هذه أفكار خاطئة، وما يهمك الآن هو الاستمتاع بالعمل والتركيز على الجانب الإيجابي فيه، أعرف أنا وأنت أن هؤلاء عندهم تصور خاطئ عن الله، لكن هل أضمن لنفسي وأنت وكل هؤلاء الذين يظلون صباح مساء متصلين بهذا العالم يسبحون فيه، دون أن يتأثروا بذلك! إذا لا غرابة أن نجد وسط مجتمعنا شريحة كبيرة ممن أصبحوا اليوم يتداولون هذا التصور، سواء في كتاباتهم، أو حواراتهم، كان ذلك بوعي أو غير وعي منهم، هذا يجعلنا نتساءل ربّما هل بِتنا حقّا نملك تصورًا خاطئًا عن الله؟

يقول الله في كتابه «إن الدين عند الله الإسلام»، ومعنى الآية أن جميع الديانات التي أتت، كانت على وفق الرسالة المحمدية، غير أن ذلك لم يكن في جميع الأشياء، فالمقصود هنا بالدرجة الأولى الجانب العقدي، فجميع الرسالات كان لها تصور واحد عن الله، أي أنه هو الله الواحد الخالق المدبر…إلخ، وإلا فالجانب التشريعي كان يختلف من رسالة إلى أخرى، وإذا كان الأمر كذالك فمعنى هذا أن رسالة جميع الأنبياء والرسل، أتت بالتوحيد، فمن أين دخل التحريف إلى الديانات السماوية إذا وكيف أصيب المجتمع الإنساني بهذا الداء العضال، وخاصة أولئك الذين لا زالوا يعتقدون أنهم متمسكين بالدين السماوي؟

دخل الانحراف إلى عقيدة المسيح عليه السلام في القرن الرابع الميلادي، كما يذكر ذلك الكثير من المؤرخين، ومما لا شك فيه أن دين المسيح عليه السلام كان دين توحيد، بل واستمر الموحدون حتى بعد دخول عقيدة التثليث إليه، ومن ذلك ما جاء في الحديث «وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ» وهم ما عرفوا بالآريسيين، نسبة إلى آريوس أحد الرهبان الذين شاركوا في مؤتمر نيقية الشهير، الذي فيه تمت المناظرة بين أتباع آريوس الموحد، وأثناسيوس الذي دعا إلى التثليث، لكن هذا الأخير كاد للأول عند الإمبراطور، فما كان من قسطنطين إلا أن قرب منه أثناسيوس، ومن ثم اعتمدت عقيدة التثليث المتأثرة أساسًا بالفلسفة الهندية، وبعد ذلك ستتأثر بالفلسفة المادية الأوروبية، كديانة للإمبراطورية الرومانية.

لا نذكر هذا من باب الترف المعرفي، بل هذه الواقعة الشهيرة، تُبين حقيقة مهمة، وهي أن الديانة المسيحية التي عرفتها أوروبا هي النسخة المشوهة للمسيحية، ولذلك اصطدمت مع روح العلم، فكان أن ظهرت التيارات الإلحادية، ولعل أغرب شيء هو ما نراه داخل كل كنيسة من تمثيل للمسيح، من أنه شاب ذو شعر أشقر، ووجه أبيض، وكأنه أحد أبطال اليونان القدامى، والحقيقة غير ذلك فعيسى عليه السلام رجل مشرقي، أي أسمر اللون كما تُبينه الأحاديث، هذا فضلا عن اعتقاد أنه ابن الله أو أنه هو الإله.

هذا التصور الخاطئ لله، بدون شك هو ما سيتلقاه الكتاب، والفنانون في العصر الحديث، وهذا سينعكس طبعًا على أعمالهم كيف ما كانت، فإذا لا غرابة أن نجد أحد المخرجين أو الروائيين أو الشعراء أو غير ذلك، وهو يقوم بتصوير الله على أنه رجل، لأنه في متخيله كذلك، وهذا أمر خطير، وذلك أن بناء على تصوري لله، ستقوم علاقتي به، فإذا كنت أعتقد أنه أشبه برجل، فإنني سأتعامل معه على هذا الأساس!

لا شأن لي بأولئك المخرجين أو الكتاب، إنما الأمر الخطير هو أن نعتقد هذه التصورات ونحن لا ندري ذلك، فالكثير من الشباب اليوم هم جاهلون بالله، فنحن عندنا قصور في هذا الجانب، بله أن نضيف إلى ذلك أننا نتلقّى هذه الأفكار، بدون شك كل ذلك سينعكس سلبًا علينا.

الله في القرآن لم يُحدد ماهيته، بل ولا أشار إلى شيء من ذلك، بل عرّفنا بأسمائه وصفاته وأفعاله، فمن خلالها نعرفه عز وجل، ومن خلالها فقط نعبده ونناديه، للأننا لا ندرك حقيقته، فهو الذي «لا يَبلغ كُنه صفته الواصفون، ولا يحيط بأمره المُتفكّرون، يعتبر المتفكّرون بآياته، ولا يتفكّرون في مائيّة ذاته، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء»، فبناء على هذا الأساس تقوم معاملتنا لله، فنحن لا يحق لنا أن نناديه إلا من خلال صفاته وأسمائه التي أخبرنا بها، ولذلك فلا يحق لنا أن نصفه بأي صفة نتوهمها مثلا، وإن بدا لنا أنها ليس فيها حرج، كأن نصفه بالعارف، فالمعرفة يسبقها الجهل وهذا يستحيل في حقه سبحانه وتعالى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ديني, رأي, فكر, مقال
عرض التعليقات
تحميل المزيد