ظهر في السنوات الأخيرة العديد من الحركات التي تدعي أنها تمثل الإصلاح الديني الصحيح. حملت في داخلها العديد من الأفكار الدينية المتشددة والمغلقة على نفسها، منها حركة الإخوان المسلمين وامتدادها في وقتنا الحالي الدولة الإسلامية في بلاد الشام والعراق. وما انبثق عن الأخيرة من أفكار متزمتة ومتشددة، وصلت إلى حد تكفير كل من لا يتبع هذه الحركة. في تأطير تاريخي يمكن استحضار نموذج ديني إصلاحي يختلف في أدواته وأساليبه عن هذه الحركات الراديكاليّة. ففي القرن التاسع عشر برزت حركات الإصلاح الديني الداعيّة إلى إصلاح الخطاب الديني، واستخدام خطاب يواكب متطلبات العصر من خلال فهم الإسلام فهمًّا صحيحًا بالرجوع إلى القرآن الكريم والسنة النبوية.

شكلت الحركة الأولى قطيعة مع الأخيرة من جميع النواحي. فكل واحدة تحمل بداخلها العديد من الأفكار المختلفة. لعبت الظروف الاجتماعية والسياسية المحيطة دورًا مركزيًّا في تشكيل أفكار كل فترة. شهدت حركة الإصلاح الديني فترة انحلال الإمبراطوريّة العثمانيّة، وما خلفته من الدعوة إلى الاستقلال السياسي، الاحتكاك مع الغرب وعلومه وما شهدتّه هذه الفترة من بعث الإرساليّات التبشيريّة، هجرة الشباب من قراهم إلى المدن للتعلم. بالرغم من أنّ هذه الفترة شهدت العديد من الحركات الاستعماريّة الغربيّة على الشرق، ولكن هذه الحركات أخذتهم بالتفكير بواقعهم المتأخر مقابل واقع الغرب المتقدم.

من أهم مفكري هذه الحركة محمد عبده، عبد الرحمن الكواكبي. أخذت أنظارهم تذهب بالتفكر عن سبب تخلفهم. فوجدت أنّ عليها الرجوع إلى ينابيع الدين الإسلامي الصحيح، من خلال محاكاة الماضي، والعودة إلى الإسلام والفكر الإسلامي، مع محاكاة الغرب وعلومه ضمن قواعد وضوابط معينة. بحثت هذه الحركة في العديد من الأسباب وراء تخلف المجتمعات العربيّة كان من أهمها الاستبداد الذي أسس للعنف، التعصب؛ أمّا السبب الآخر فهو الجهل وجمود العقل الناتج عن الأفكار والخرافات التي دخلت إلى الدين الإسلاميّ، وليس بسبب الدين وجوهره. ترى هذه الحركة أن طرق التغيير تكون إصلاحيّة من خلال إصلاح العلوم والتعليم والمدارس، فتح باب الاجتهاد للخروج بأفكار إصلاحيّة تتناسب مع متطلبات العصر، مرجع هذه العلوم يكمن في القرآن الكريم والسنة النبويّة.

أهم الأفكار التي خرجت بها هذه الحركة: ارتباط فهم الدين الإسلامي بتربية أبناء الأمة على العمل من أجلها والانتماء إليها؛ نهت النقل عن الغرب فقط من زاوية التقليد دون الابتكار. ثانيًا، دعت إلى أخذ أسباب القوة والتفوق عنهم، والانفتاح على علومهم وأخذ الصالح منها، وترك ما يتنافى مع المجتمعات الإسلامية؛ الاعتماد على القرآن، والسنه النبوية. وأن الإيمان هو أصل العمل ومحور الدعوة إلى الوعي الإسلامي.

تمثل الحركة الأخرى قطيعة مع أفكار هذه الحركة. فقد تزامنت نشأتها مع المخططات الاستعماريّة وظروف سياسية، فأدركت مخاطر الحركة الصهيونيّة عقب مؤتمر بال 1879. وما شهدته هذه الفترة من الانفتاح السياسي والاقتصادي، وانتشار مبادئ الديمقراطيّة والرأسماليّة التي سارت على دربها الدول العربيّة متأثرة بالغرب. كل هذه الظروف مجتمعة عملت على ظهور مجموعة من المفكرين الإسلاميين المتمسكين بالتقاليد الإسلامية، ورفضوا ما طرحه دعاة الحداثة؛ لأنه يمثل بنظرهم مؤامرة من الغرب على الإسلام. من أهم رواد هذه المرحلة: حسن البنا، وسيد قطب الذي أنتج أكثر فكر متعصب ومنغلق على نفسه؛ إذ تعد أفكار الحركات الحديثة أمثال داعش والإخوان المسلمين ما هي إلا امتداد لأفكاره.

يرى رواد هذه الحركة أصل الداء في حالة الجاهلية التي تعيشها المجتمعات الإسلامية، الناتجة من الحاكمية للبشر، ويرى أن لا حاكمية إلا لله ولا شريعة إلا منه. وبذلك حاربت جميع الأنظمة العالمية: الاشتراكية، والبلشفية، وغيرها التي تتنازع للسيطرة والسيادة على العالم. ومن وجهة النظر هذه لم ير أن هنالك داعيًا أو فائدة من الانفتاح على حضارة الغرب. وصلت أفكار هذه الحركة إلى حد التكفير، وقسم المجتمع إلى جاهلي ومجتمع إسلامي. يدخل في نطاق الأولى كل من لا يتبع أفكار الحركة، مما أدى إلى إنتاج أفكار متعصبة، أما طريقة التغيير فهي انقلابية ثورية من خلال القتل والحروب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد