احتفلت وزارة الأوقاف المصرية كعادتها السنوية بمولد الرسول المصطفى محمد صلوات الله وسلامه عليه، وبرغم أن برنامج الحفل كان كما هو معتاد من إنشاد وكلمة لكبار المسؤولين المتواجدين بالحفل وبحضور الرئيس أو مندوب عنه وما إلى ذلك من كل ما هو متعارف عليه في مثل تلك المناسبة، ولكن الحقيقة أن حفل هذا العام كان مختلفًا بحضور السيسي، الذي لا يترك مناسبة إلا ويكون حاضرًا فيها، الاختلاف هذه المرة لم يكن في حضوره، ولكن كان فيما قاله وصرح به في وجود مشايخ وكبار علماء الأزهر الشريف .

“نصوص وأفكار تم تقديسها على مئات السنين وأصبح الخروج عليها صعب أوي لدرجة إنها تعادي الدنيا كلها” هكذا جاءت كلمات السيسي الذي طالب العلماء بتجديد الخطاب الديني وإحداث ثورة دينية وتغيير الفكر الديني الذي لا يتماشى مع العصر الحالي، والذي يجعل الأمة الإسلامية مصدرًا للقلق والخطر والقتل والتدمير في العالم، فالفكر الإسلامي هو فكر معادٍ للبشرية كلها كما قال السيسي صراحةً في كلمته.

كلام على ظاهره غير مقبول على الإطلاق، ولكنه يحمل بين طياته الكثير من النقاط الصحيحة شرط أن يكون المقصد من كلامه عن الفكر الإسلامي؛ هو المذاهب المختلفة والتي نشأت نتيجة تأويل أو اجتهاد أصحابها، لا النصوص القرآنية ولا الأحاديث الحقيقية الصحيحة القطعية الثبوت والدلالة، والذي إذا كان يقصدها سيكون قد وقع في مشكلة وخيمة العواقب.

نعم، نحن نحتاج إلى ثورة دينية حقيقية تمحي كل الأفكار الخاطئة التي نسبت للإسلام، والتي نشأت على أثرها العديد من الجماعات التي أساءت إلى ديننا العظيم وإلى رسوله الكريم، وكان آخرها تنظيم داعش الذي لا يمت للإسلام ولا رسوله بأية صلة.

نحتاج إلى معرفة الآلية الحقيقية للحكم في الإسلام ومحاسبة الحاكم، فنظام قائم على إمارة الحاكم المتغلب الذي عرفه التاريخ الإسلامي، لا علاقة له بالدين.

وليس معنى أن المسلمين في قرون سابقة قد أقروا هذا النظام ورضوا به، أن نستسلم للتقليد الأعمى لمجرد اجتهاداتهم الظنية، فهم في ذلك غير معصومين عن الخطأ، فآلية الحكم بعد وفاة النبي مبهمة غير واضحة وهو أمر يتطلب العديد من الدراسات التاريخية لمعرفة ما هو وجه القصور الذي حدث في تاريخنا الإسلامي والذي آل بنا إلى هذا المآل فذهب البعض إلى أن الحاكم المتغلب هو نظام الحكم في الإسلام، وذهب آخرون إلى أن الإسلام لم يقر أي نظام للحكم وأنه فقط علاقة روحية بين الإنسان وربه.

الحقيقة أن الإسلام كدين صادر عن مصدر الحكمة يستحيل أن يترك الناس دون أن يرشدهم لنظام مكتمل واضح المعالم وجلي المعايير يعصمهم من التنازع والتقاتل والعودة للصراعات القبلية والعرقية، وإلا صار مصدر الحكمة غير حكيم وهذا محال أن يكون. إذن فالإسلام إذا أردنا القول، هو دين متكامل يتناول جميع أنماط وأشكال الحياة وهذا ما يتوجبه حكمة وعلم الإله، فمن المستحيل أن يترك الله الناس وحدهم دون نظام تشريعي سليم، فالدين ينبغي ألا يقتصر على قانون الأحوال المدنية كما يحاول أن يصور لنا البعض.

فهو يمتلك آلية للحكم والتقييم ومحاسبة الحاكم، وآلية للتقاضي، ومعالم وخطوطًا يمكن أن يتشكل بحسبها، نظامًا اقتصاديًا وأساليب للتنشأة الأخلاقية والاجتماعية السليمة.

كل هذا ونرى الأمة الإسلامية تعاني في كل هذه النواحي لأنها قررت – عامدة أو مرغمة – أن تعتمد على التجربة والخطأ في رسم معالم طريقها، وأن تبتعد عن نظامها الرباني الذي أقره مصدر العلم، فصرنا فريسة للسيطرة من أفكار وافدة التي آخرها أن سقطنا في فخ التبعية للنظام العالمي الحالي، الذي لا يعترف إلا بالقوة. فالحق فيه مع من يملك أدوات القوة والسيطرة، وفي النهاية علينا أن نرجع إلى صحيح إسلامنا حتى نستطيع أن نؤدي دورنا ورسالتنا في هذه الحياة وللحديث بقية .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد