«بوسعنا أن نقارن كازانتزاكيس في هذه الرواية بكبار شعراء الأدب الإغريقي القديم، الذين ما هم إلا أجداده، فإن روح هوميروس تنبعث في كتبه المتدفقة بحيوية لا تضاهى». *مارسيل بريون كاتب فرنسي.

تعتبر رواية «المسيح المصلوب» أو «الإغواء الأخير للمسيح» للكاتب والروائي والفيلسوف اليوناني «نيكوس كازانتزاكيس» من الروايات العالمية المعاصرة، والتي تركت بصمة واضحة في مختلف مجالات الأدب العالمي؛ حيث تقوم فلسفة الرواية على تطاحن وتنازع قوى الشر والخير في العالم، وكل منها يستعمل أساليبه وطرقه الخاصة، فقوى الخير تحارب بسلاح المحبة والتسامح والتضحية، بينما لا تقارع قوى الشر إلا بالضغينة والحسد والقتل.

ومن أبرز ما يميز الرواية من خلال زواياها الدينية حول مفاهيم الدين وفلسفتها التقدمية لـ«كازانتزاكيس» الذي يرى أن الدين حياة عملية، وليست مجرد أفكار وتنظيرات خيالية، بعيدة عن الواقع الإنساني الراهن، وكأن الكاتب التحق بكبار الفلاسفة الوجوديين المعاصرين، الذين تشبثوا بضرورة تطبيق المعطيات الدينية على الوجود الإنساني، مثل الفيلسوف الروسي «نيكولا برديائيف» والفرنسي «غابرييل مارسيل» والذي يعد هذا الأخير من أعظم ممثلي صراع الفكر الوجودي داخل الحاضنة الدينية المسيحية ذيوعًا وشهرة، باعتباره أول من استخدم منهج الفينومينولوجيا في البحث الفلسفي لصياغة اتجاه وجودي في الأخلاق والقيم والدين.

ولقد استطاع «كازانتزاكيس» تنزيل الشخصية الإنسانية بمختلف تناقضاتها، من خلال روايته الماتعة والممتعة موضوع مقالنا، فـ«كازانتزاكيس» يرى أن سكان مدينة ليكوفريسي من خلال وضعهم الديني الراهن، أن يغيثوا المنكوبين المشردين، الذين استغاثوا واستجاروا بهم، قبل أن يمارسوا شعائر الدين الطقوسية، بصورة آلية نكراء، تجردهم من شخصيتهم الإنسانية، وتجعلهم ينحرفون عن مبادئ جوهر الدين السامية، التي يجب أن تدفعهم نحو إغاثة الملهوف، ونصرة المظلوم والإحسان والمحبة.

فـ«كازانتزاكيس» لا يعير اهتمامًا إلى شرائع الدين النظرية والطقوسية، ما دامت لا تحقق هدفها الأساسي والسامي الذي ينبني عليها أي دين؛ لأنه إنسان عملي، ولأن الدين في نظره حياة تربط جميع تصرفات الإنسان، وتدفع حريته نحو الطفرة الوجودية الكبرى القائمة على منظومة الخير، وقد سبقه ذلك العديد من الفلاسفة المسلمين من أمثال «ابن سينا، والفارابي، وابن رشد، وابن طفيل… إلخ»، الذين رأوا أن جوهر الدين هو تصرفات الإنسان الأخلاقية تجاه أخيه الإنسان، فإذا انتفت هذه الصفات، فإن طقوس وشعائر الدين ليس لها أي قيمة أو اعتبار ما دامت لا تحقق هدفها الأسمى الذي جاء بها.

وقد استخدم «كازانتزاكيس» في روايته أسلوب المقارنة؛ من أجل تبسيط فكرته وتوضيحها، فصور لنا كاهنين، أحدهما هو الأب «غريغوريس» المعروف بظلمه وحقده وبنهمه وجشعه وشهوته الحيوانية العارمة لرؤية الدماء. وثانيهما الأب «فوتيس» المعروف بورعه وتقواه وبتضحيته وإخلاصه في مواجهة الظلم، وجرأته في إظهار الحق ودحض اﻷباطيل.
ولقد وضع «كازانتزاكيس» كلمات وجمل إنجيلية على لسان «غريغوريس»، للدلالة على أنه بعيد كل البعد عن فهم معناها الأصيل والجوهري، وتجلى ذلك في تناقض تصرفاته من خلال هذه الكلمات المأثورة السامية، وفي ذلك تشويه وتعرية واضحة وصريحة في الأخذ بقشور الدين، والتعلق بمظاهره الخارجية الخداعة، دون فهم لروح وجوهر وكُنه الدين.

ولقد استطاع «كازانتزاكيس» تصوير حياة البذخ الأسقفي الكنسي بأسلوب ملؤه التهكم والنقد، ولقد وجه سهام نقده البناء أيضًا صوب الانتهازيين الإقطاعيين في شتى المجالات دينية كانت أم لائكية، ولقد صنفه البعض بأنه رسول الاشتراكية الإصلاحية البناءة، وهذا واضح وجلي من خلال أعماله الأدبية المتميزة.

ولقد استوحى «كازانتزاكيس» أصول الدين من خلال شخصية المسيح -عليه السلام-، التي أثرت فيه أيما تأثير، وهيمنت على فكره وحياته وكيانه الوجداني، وكأنه يرى بعين المسيح -عليه السلام- في حياته الطافحة بأعمال الخير والبر والإحسان والرحمة، ويرسم لنا بالعين الأخرى، تشويه هذه الصورة عبر العصور جراء استخدامها السيئ من لدن المؤسسة الدينية وممثليها،  التي اتسمت بالجشع والأنانية مستمدًا ذلك من تاريخ الراديكالية الدينية المسيحية، والتي تعتبر تاريخيًا وإحصائيًا من أكثر الديانات دموية في تاريخ البشرية جراء استخدام اسم السيد المسيح -عليه السلام- في حروبها، وإباداتها لشعوب وحضارات وثقافات بسبب التحريف والتبرير الذي كان حاضرًا بقوة بالمؤسسة الدينية المسيحية.

إن رواية المسيح المصلوب لـ«نيكوس كازانتزاكيس» برهنت على سمو أفكاره وعمق نضجه الوجداني، فقد جمع في شخصيته شخص الفيلسوف الناضج، وشخص اﻷديب المتمرس، وقد جمع في روايته مختلف الفنون الأدبية المختلفة من خطابة وملحمة وهجاء ومدح وغزل ومأساة وملهاة؛ مما أدى إلى انتشار روايته مثل النار في الهشيم، دون أي ملل أو ضجر بين مختلف الخلفيات الثقافية والدينية للقراء، وهذا ما حدا إلى إنتاج العديد من الأفلام السينمائية مستمدة من هذه الراوية أشهرها فيلم «the passion of the Christ» لمخرجه «Mel Gibson» والذي خلف العديد من الردود والرفض من جانب الفاتيكان، ومن جانب اليهود بسبب إلقاء الفيلم اللوم على اليهود في تعذيب المسيح وصلبه، علمًا بأن الفيلم اعتمد على الإنجيل الذي نص صراحة على خيانة اليهود، وتآمرهم على المسيح -عليه السلام- رغم قرار المجمع الفاتيكاني في سنة 1964 والذي صوت بأغلبية كبيرة على تبرئة اليهود من جريمة صلب المسيح، ولقد اعتبره العديد من رجال الدين المسيحيين بمختلف طوائفهم أنه قرار يهدم ركنًا أساسيًّا من أركان العقيدة المسيحية والتاريخ المسيحي، وبمعنى أوضح أن التبرئة هي حكم قاسٍ يكذب الأناجيل الأساسية التي قام عليها الدين المسيحي؛ وبالتالي فهو قرار سياسي يحابي الدور الصهيوني المتغلغل في أوساط المسيحية العالمية، وهذا معروف بين مختلف الباحثين والأكاديميين والمثقفين.

لقد استطاع «كازانتزاكيس» تعرية الخطاب الديني (المختطف) المتماهي مع جشع الإنسان، والذي يستعمله لأغراض سياسية، فهي رواية إنسانية فلسفية تشخص لنا واقعنا الإنساني بكل أفراحه وأتراحه وتناقضاته.

فقد أراد «كازانتزاكيس» من خلال شخصيته الدينية والفكرية العميقة التي لا تعرف التعصب أو التزمت بعيدًا عن وصاية اللاهوت الديني دينًا سمحًا، يهمين على الكيان البشري الطافح بالصراعات والأزمات والحروب، مستمدًا ذلك من فطرته الإنسانية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات