كثيرًا ما نسمع كلمات من قبيل صلاة، وحج، وطواف وغيرها من الكلمات العربية الأخرى التي رحلت من سياقها العادي إلى سياق آخر أكثر تخصصًا، خصوصًا مع ظهور الإسلام، فأصبحت مصطلحات قائمة بذاتها أسست لمفاهيم ضمن سياق ديني متخصص. وبالتالي فقد أصبحت هذه الكلمات تحمل بين ثناياها حمولات دينية أكثر منها لغوية. حتى أنه لا يمكن ترجمتها إلى اللغات الأخرى إلا حرفيًا، فتعويضها في الإنجليزية مثلًا بترجمات أو مكافئات إنجليزية قريبة لها في المعنى غالبًا ما يفقدها معناها الحقيقي ودلالتها ومرجعيتها الإسلامية.

فالمترجم إذًا عندما تحضره كلمة مثل الحج، لا بد أن يستحضر الخلفيات والرمزيات الدينية والثقافية التي جعلت من هذه الكلمة مصطلحًا وركنا من أركان الإسلام الخمسة.

إن ترجمة مثل هذه الكلمات بمكافئات لها في اللغات الأخرى غالبًا ما يفقدها حمولتها الثقافية والدينية معًا. فهذه الكلمات لم تعد مجرد وحدات لغوية تستعمل في اللغة والسياقات التواصلية المعتادة، بل هي مصطلحات ينبغي على المترجم مراعاة خلفياتها.

وغير بعيد عن اللغة العربية، فإننا نجد ظاهرة أخرى مشابهة على غرار ما وقع لهذه الكلمات في لغة الضاد، لكن العملية هذه المرة تحدث بشكل معكوس تمامًا. أي أننا نجد كلمات كانت في البداية مصطلحات دينية قائمة، لكنها مع مرور الزمن تجردت من صفتها الدينية والمصطلحية وأصبحت كلمات عادية تمامًا ومتداولة. فنجد مثلًا فعل (baptiser) في اللغة الفرنسية، ويقابله في اللغة العربية فعل عمّد من المعمودية وهي طقس مسيحي معروف يقام عند تسمية المولود أو عند تنصير شخص ما. ويمكن تشبيهه إلى حد ما بالعقيقة في موروثنا الإسلامي. وبما أن الطفل يعطى اسمًا في المعمودية فقد انتقل تداول هذه الكلمة من سياقها الديني إلى سياق آخر خارج نطاق الدين، فنجد مثلًا (baptiser une rue)، أي إطلاق اسم على زقاق أو غير ذلك.

ومن خلال هذه المقارنة البسيطة يتبين لنا أن رحلة الكلمات بين اللغات أو داخل اللغة نفسها غالبًا ما تخضع لتقلبات أو تغيرات في معانيها حسب الظروف والأحوال التاريخية والاجتماعية. فنجد مثلًا كلمات ينتقل مدلولها من المعنى اللغوي العادي لتكتسب بذلك مدلولًا خاصًا ضمن سياق خاص. أو قد يقع العكس فتتجرد بعض الكلمات من دلالتها الخاصة لتصبح ذات دلالة عامة ومتداولة.

وبين هذا وذاك، يبرز المترجم ليكون ناقلًا المعنى من لغة مصدر إلى لغة الهدف. ولا يظهر دوره في عملية نقل المعنى فقط، بل أيضًا يتعداه إلى نقل ثقافة اللغة المصدر إلى اللغة المترجم إليها. وبالتالي لا يجب أن تنحصر مؤهلاته في الجانب اللغوي فقط، بل يجب على المترجم الإلمام بثقافة النص المراد ترجمته، ولا يكتفي فقط بجوانب هامشية لهذه الثقافة، بل يجب أن يحيط بها تمامًا، وألا يغفل صغيرة أو كبيرة إلا درسها، لا سيما عندما نتحدث عن الجانب التخصصي للنص وبنيته المصطلحية المتخصصة. فالنص كما هو حمال للمعاني، هو حمال للمصطلحات والأيديولوجيات كذلك.

ومجمل القول إن الحديث عن المترجم اللغوي قد أصبح متجاوزًا في عصرنا الحالي الذي أصبح يعرف ولادة مصطلحات متخصصة كل يوم، بل كل لحظة، خصوصًا العلمية والدينية منها. وبالتالي فالكفاءة اللغوية لم تعد كافية للمترجم، وأصبح لزامًا عليه دراسة اللغة وثقافة المتحدثين بها، وعلومهم ومعتقداتهم أيضًا. فالترجمة إذًا لم تعد محدودة في وحدات النص اللغوية. فقد أصبح النص كيانا متشعبا مليئًا بالتناص والمصطلحات التي تقف حاجزًا أمام المترجم اللغوي الذي لا يجد حلًا أمامه سوى إعادة النظر في قدراته وكفاءاته والسعي لتطويرها والسير في اتجاه التخصص.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
s