السلطة الدينية والعشائري وعوامل تاثيرها على الدولة ومركزيتها في العصر الحديث

المقدمة

إن الخضوع للحاكم أو السلطان شيء غير مفهوم في قاموس أهل العراق. فنرى كثرة الاحتجاجات والصراعات في المجتمع العراقي على مر التاريخ. العراق يتمتع بموارد ومصادر تجعله محطا للأنظار على مر التاريخ من حضاراته الأولى إلى يومنا هذا. هذه الموارد قد تكون طبيعية كالأنهار والممرات البرية وارتباطه بالخليج العربي، إضافة إلى الموقع الجغرافي المهم بين أهم دول المنطقة وهي إيران، وتركيا، والسعودية.

وموارد بشرية وعلمية حضرية جعلته عامل جذب ابتداء من الحضارة السومرية إلى العصر الذهبي في الدولة العباسية وانتهاء بالدولة العثمانية. لفهم طبيعة هذا المجتمع يجب في البداية معرفة مكوناته وثقافاته العرقية والدينية والمذهبية. يعيش في العراق العرب والكرد والتركمان، إضافة إلى أقليات دينية وعرقية كاليهود، والمسيحيين، والصابئة وغيرهم الكثير في جغرافية واحدة. ينقسم العرب وهم يمثلون الأغلبية السكانية إلى مذهبين: أولًا المذهب السني، ثانيًا المذهب الشيعي.

إضافة إلى أن لأهل العراق طبيعة بدوية تطغى علي صفات وسلوكيات نسيجه الاجتماعية وهذه الصفات تكاد تكون جدًا واضحة في ما إذا درسنا أواخر حكم الدولة العثمانية كما سنأتي لاحقًا. إن من أهم المؤسسات المجتمعية التي يخضع لها المجتمع وتتكون منه الدولة، هي المرجعية الدينية والمؤسسة العشائرية اللتان تشكلان أهم أركان المجتمع. فبهما يكون الصراع قائمًا وبهما ينتهي الصراع ليكون تعايشًا سلميًا. فالسلطة الحاكمة إذا أرادت الشرعية فيجب أن تحوي أفردًا عشائرية أو سياسيين مدعومين من هذه العشائر، إضافة إلى مباركة دينية من قبل المرجعية، وخاصة في جنوب العراق.

طبيعة النسيج المجتمعي في أواخر الدولة العثمانية

يتكون العراق بشكل من نسيج عشائري واضح ذي تأثير كبير على كل مفصل من الحياة، سواء كانت الاجتماعية والسياسية وحتى الاقتصادية. القبيلة البدوية تتكون من مجموعة من الأفراد ذوي نسب واحد، فنجد عندهم جمال المرأة في نسبها أولًا فلا يتزوجون إلا من المرأة ذات النسب الرفيع. يعيش البدو في الصحراء ويعتمدون في معيشتهم على الأغنام والتنقل بحثًا عن المراعي ومصادر الماء. إضافة إلى أنهم يتمتعون بخصائص كثيرة قد تكون متناقضة في مفهومنا، لكنها تمثل مفهوما لطبعية حياتهم وما يجب أن تكون عليه في الصحراء.

حيث يقول عالم الاجتماع علي الوردي في كتابه دراسة في طبيعة المجتمع العراقي أن البدو يتصفون بالشجاعة والكرم وفي نفس الوقت هم قطاع للطرق ويغزون القبائل الأخرى. فكلما كنت كريمًا وتغزو أكثر كنت محترمًا وقد تقدم للرئاسة وفقًا لهذه الأسباب. وتكون الطاعة والانتماء للقبيلة لا لفرد أو رئيس محدد فهم ييرون رؤسائهم حسب صفة الكرم عندهم ولا يحبون الخضوع لأنه يمثل الامتهان عندهم. حيث إن صفة التغالب تطغى على طبيعة حياتهم.

العراق تعرض إلى موجات وعلى فترات زمانية مختلفة من هجرة بدوية بسبب انحسار الموارد المعيشية وقلة الأمطار في الصحراء. إضافة إلى تمتع العراق ببيئة جذابة وأرض خصبة ومياه وفيرة؛ مما جعله محط أنظار هذه القبائل على مر التاريخ. فيقول الدكتور محمد سلمان حسن في بحثه الذي نشر في جامعة أكسفورد، والذي ذكره الدكتور علي الوردي في كتابه دراسة في طبيعة المجتمع العراقي أن عدد سكان العراق في عام 1867 لا يتجاوز المليون والربع، وفئات المجتمع تنقسم إلى ثلاثة أقسام كما يلي:

(1) القبائل البدورة: 35% من مجموع السكان.

(2) القبائل الريفية: 41% من مجموع السكان.

(3) أهل المدن: 24% من مجموع السكان.

مما يعني أن البداوة تشكل 76% من مجموع سكان العراق والذي يدل على أن المجتمع العراقي بدوي يمتاز بصفات البداوة. حتى إن أهل المدن يتمتعون بصفات بدوية كونهم محاطين بقبائل تعتمد على الغارات والسلب بشكل عام. ولحماية أنفسهم أصبحوا مثلهم فتوجد الثارات بينهم ويستعينون ببعضهم البعض في الشجارات اتباعًا لمقولة «أنا وأخوية على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب».

إن السيطرة على هذه القبائل يشكل صعوبة حقيقية للدولة. وأن مجتمعًا كهذا يرفض الخضوع لدولة أو نظام معين؛ مما يعني دولة ضعيفة جدًا، وقد تكون هي من تحتمي أيضًا بهذه القبائل من خلال الاتفاق مع رؤسائها. فهي لا تمتلك القوة والسلطة إلا في المدن وفي نسب قليلة ومحددة. لأن الخضوع شيء صعب لا يمكن فهمه عند هذه القبائل وهو يعتبر مهانة كما أشرنا سابقًا.

التناحر الإقليمي على العرق بين إيران وتركيا

العراق يقع بين دولتين كانتا وما زالتا متناحرتين والعراق ساحة لصراعهما. فتعتبر الدولة العثمانية نفسها حامية لأهل السنة والدولة الصفوية حامية لأهل الشيعة وكلما دخلت إحدى هذه الدولتين إلى العراق عم الصراع بين هذه الطائفتين فيتأثر به كل مفاصل حياتهم.

فالوازع الديني كان يمثل بوصلة الخضوع في وقتها فكانت سياسة التخويف بالعدو حاضرًا دائمًا. كما أن مفهوم الدولة القومية وعبارت الوطنية لم تكن مفهمومة وموجودة في ذلك الوقت. فيكون العراقيون مع أحد الأطراف على حسب وازعهم وانتمائهم الديني حتى رسى العراق بيد الدولة العثمانية حتى الحرب العالمية الأولى، حيث اهتم العثمانيون بشكل كبير ببناء وتعمير المساجد بشكل كبير، إضافة إلى بناء المدارس الدينية، حيث قاتلت مجموعة كبيرة من العشائر العراقية مع الدولة العثمانية في معارك كثيرة منها التي كانت في منطقة المدائن (سلمان باك)، حيث قاتل 15 ألف عراقي كما ذكر الدكتور عبد المجيد التكريتي في كتابه المنتظم في تاريخ العراق المعاصر. وأضاف أن المساجد ظلت تدعو للسلطان وأمه حتى بعد دخول المحتل البريطاني إلى العراق. وما يزال العراقيون بين دوامة هذه الصراع ففي كل فترة تقوى دولة على دولة وتمول طائفة في العراق. كما هو حاصل في وقتنا الحاضر في دعم إيران للشيعة.

السلطة الدينية والعشائرية في العراق

تعتبر السلطة الدينية من أهم مفاصل وأركان المجتمع العراقي جنبًا إلى جنب مع السلطة العشائري. فهي قد تكون مثل الكنيسة في أوروبا سابقًا لأنها تتحكم أو تتخلل كل مفاصل الحياة السياسية والتجارية والاجتماعية. فالسياسي يجب أن يعطى الضوء الأخضر من المرجع الديني فيكون مؤيدًا شعبيًا ورئيس العشيرة يجب أن يثبت ولاءه وسخاءه لكي يكون مؤيدًا ومدعومًا من المرجعية.

تمتلك هذه المرجعية الكثير من المجاميع المسلحة. فهي سلطة متجذرة وقوية بل هي أقوى من الدولة نفسها. على سبيل المثال عندما انهارت الدولة في المحافظات السنية ودخلت (داعش) أطلقت المرجعية في النجف الأشرف فتوى الجهاد الكفائي ليتشكل على أثرها الحشد الشعبي والذي يمتلك تأييدًا شعبيًا كبيرًا في جنوب العراق كونه حصل على شرعيته من المؤسسة أو المرجعية الدينية. أما في وسط وشمال العراق فإن الوضع مختلف تمامًا كون أغلبية السنة لا يخضعون إلى مرجعية دينية رغم وجود وازع ديني قوي عندهم.

وقد تجلى هذا الوازع في الحراك الشعبي في عام 2011، لكنه سرعان ما انهار وانتهت به سلطة وحتى هيبة رجال الدين في المجتمع الذي تم فيه الحراك. وقد نستطيع القول إن هذا الحراك كان حراكًا عشائريًا مدعما بالغطاء الديني، فإذا نظرنا إلى مركز هذا الحراك وهي محافظة الأنبار وجدنا في ساحات الاعتصام خيمة لكل قبيلة أو عشيرة وفي كل جمعة أو أي مناسبة تقوم كل عشيرة باستعراض كرمها وإعدادها المميز للطعام استجابة لما تؤمن به من صفات الكرم والجود التي هي صفة اساسية من صفات البدو. إن محافظة الأنبار محافظة صحراوية أقرب من بقية محافظات العراق إلى صحراء شبه الجزيرة العربية، وقد يكون هذا هو السبب الرئيس لوصمها أنها تتصف ببداوة اعمق وأقوى من بقية المحافظات العراقية.

قد نستطيع القول إن العراق بطابعه الحالي بدوي أكثر من ما هو مدني. وأن سلطة المرجعية الدينية في جنوب العراق أقوى من السلطة العشائرية وأن المنظومة العشائري تتبع لها. في حين أن شمال العراق ووسطه يخضع للمنظومة العشائري بشكل أكبر من المنظومة الدينية في حين أن الهجرة من هذه المحافظات بعد دخول (داعش) غيرت الكثير من السمات العامة لهذه المجتمعات، لكن على الرغم من هذا هي ما تزال تحتفظ بمكانتها وقوتها، وهذا قد يكون واضحًا في مجلس المحافظات في هذه المناطق فنجد جزءًا كبيرًا منهم تابعًا إلى قبيلة معينة.

الفرد العراقي ثائر بطبعه على الحكومات أو السياسيين فنجد عمليات التخريب وحرق الأماكن العامة تستخدم كوسيل للتعبير عن هذا الغضب كون الشعب يعتبر هذه الاماكن هي ليست له، ولكنها للمتنفذين في السلطة. فمثل ما يسمى بالفرهود كان وما يزال يمثل الطبيعة البدوية ورغبة الانتقام ممن هم في السلطة. وخير مثال على هذا ما حصل عند دخول الجيش العراقي للكويت وكذلك عمليات الفرهود إبان دخول المحتل الامريكي إلى العراق في عام 2003.

يشير عالم الاجتماع العراق علي الوردي أن العراق يتعرض إلى موجات بدوية وموجات حضرية سلوكية بشكل مستمر فكلما زاد التدخل الخارجي ودخول الأجنبي إلى العراق زادت البداوة والعكس صحيح. إن زيادة مركزية الدولة على حساب المرجعية الدينية والعشائرية من خلال إعادة الهيبة لها. إعادة الهيبة يتمثل بتكوين مؤسسة عسكرية متوازنة ونظام تعليمي متطور وسحب الأسلحة من كافة المجاميع المسلحة وإبعادها عن السياسة وإدراة الدولة ومحاسبة الفاسديين وزجهم في السجون. فالعراق كان ذا دور إستراتيجي في المنطقة يجب أن يعود إليه توازنه وقيمته الدولية من جديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات