لا شك أن دول الاتحاد الأوروبي باتت مقصدًا للكثير من الشباب العربي، كونها تتمتع بالأمان، واحترام حقوق الإنسان، وتوفير فرص العمل والحياة الجيدة لمواطنيها والقادمين الجدد على حد سواء. ورغم مظاهر العنصرية ضد اللاجئين التي بدأت تنتشر في بعض الدول الأوروبية مع ارتفاع شعبية الأحزاب اليمينية واليمينية المتطرفة، إلا أن خيار اللجوء والهجرة إلى أوروبا لم يتوقف بسبب الأوضاع الكارثية التي تعيشها الدول العربية اليوم.

وكما هو معروف، فإن أوروبا مرت بأوضاع كارثية، إذ انتشرت الحروب المدمرة والصراعات الدينية والعرقية في كل مكان، وهي تشبه إلى حد كبير ما تعاني منه الدول العربية في الوقت الراهن. وتأتي هذه السلسلة من المقالات لتجيب عن السؤال المحوري التالي:

 كيف انتقلت الدول والمجتمعات الأوروبية من حالة الصراع الدامي إلى الاتحاد الذي نراه اليوم؟

ولجعل السلسلة بسيطة وقابلة للفهم، سأبتعد قدر الإمكان عن ذكر الكثير من الأسماء والتواريخ، وإن كنت سأبقى ملتزمًا بالتدرج في ذكر الحقب الزمنية، وأسماء بعض المؤثرين في مسار الأحداث والصراعات التي عصفت بالقارة العجوز، بدءًا من القرن السادس عشر، وانتهاءً بالحرب العالمية الثانية والنهضة الحديثة التي تلت ذلك.

وحتى تبقى السلسة بعيدة عن شكل الأبحاث العلمية الرصينة التي يمكن أن لا يستسيغها بعض القراء؛ سأمتنع عن استخدام منهجية محددة في الكتابة، وإن كنت قد استخدمتها في البحث حول الموضوع، وسأكتفي بذكر بعض المصادر في نهاية المقال دون الإشارة لكل مرجع في المتن. إضافة لذلك، سيطغى على المقال رأيي الشخصي في بعض الأحداث وربطها بين الحين والآخر بما نعيشه اليوم في عالمنا العربي.

لماذا أكتب هذه السلسلة، ولماذا ستقرؤها أنت؟

حسنًا، دعونا نجيب أولًا عن الشق الثاني من السؤال: لماذا تقرأ أنت هذه السلسلة؟

الجميع تقريبًا، يبحث عن إجابة التساؤل المطروح بداية المقال، وذلك لفهم سبب «تخلف» المجتمعات العربية سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وفي كافة المجالات تقريبًا، وعدم نجاح أي مشروع وحدوي عربي، بينما تتقدم المجتمعات الأخرى مع مرور الوقت، وتنجح في مشاريع التنمية الشاملة داخل بلدانها.

البعض يؤمن بأن ظاهرة التدين المنتشرة داخل المجتمعات العربية وغياب مبادئ العلمانية هي المسببة لحالة التخلف وعدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة، والبعض الآخر يؤمن بأن الابتعاد عن الدين هو سبب عدم النجاح في بناء منظومات سياسية «واجتماعية» سليمة وقوية. ولا يمكن أن نغفل هنا أيضًا رأي البعض بأن المؤامرة الخارجية على الدول العربية والإسلامية هي التي تمنعها من التقدم وبناء دولها بناءً حضاريًّا أسوة ببقية دول العالم.

لا أزعم هنا أني سأقدم من خلال هذه السلسة إجابة وافية وشاملة عن التساؤلات السابقة، لكني سأحاول من خلال قراءة الأحداث التاريخية تسليط الضوء على العوامل والأسباب التي دفعت أوروبا للصراع في السابق، والاتحاد بعد ذلك. ثم تحديد الأسباب والظروف والعوامل التي سببت النزاعات ذلك الوقت، وإسقاطها على الواقع العربي المعاصر، مع الأخذ بعين الاعتبار عامل الزمن وثورة المعلومات التي أصبحت تميز عالمنا المعاصر، بعكس ما كان سائدًا في القرن السادس عشر.

أما الشق الأول من السؤال وهو: لمَ أكتب هذه السلسلة؟

السبب في الأساس شخصي، كوني لا أجد طريقة أفضل للفهم العميق سوى القراءة ثم مناقشة الأفكار مع الأصدقاء أو تدوينها على الورق.

يجب أن نشير هنا إلى أن الصراع الديني كان سببًا رئيسيًّا في موت مئات الملايين من البشر حول العالم. فعلى سبيل المثال سقط ما بين 20- 100 مليون شخص في تمرد تايبينغ في الصين وكان بقيادة هونغ شيوكوان، الذي ادعى أنه الشقيق الأصغر لـيسوع المسيح. وفي أوروبا لعب الدين والعرق الدور الأكبر في تأجيج الحروب التي سادت أوروبا، بدءًا من القرن السادس عشر؛ إذ لقي عشرات الملايين من البشر حتفهم في تلك الحروب بشكل مباشر وغير مباشر.

أردت في هذا الجزء توضيح الأسباب التي دعتني إلى كتابة هذه السلسلة، والآلية التي سأتبعها للإجابة عن السؤال المحوري الذي بدأت به.

في المقال القادم، سنتحدث عن الظروف التي سبقت الحروب الدينية في أوروبا ولماذا بدأت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد