منذ زيارتي الأولى للقرية بعد عودتي إلى مصر، كان اهتمامي فيها ينحصر في مراقبة النساء وهن يطهين الطعام على “الكانون”؛ وهو حجران أو ثلاثة مرتفعون توضع فوقهم القدور المليئة بأطيب الطعام، وأسفلهم تبقى النار مستعرة يحافظ النساء على لهيبها متأججا، وبين كل وقت وآخر يلقين في سعيرها ما سبق أن جمعنه من الأغصان الجافة والأخشاب وغيرهما حسبما تقتضي الحاجة والوقت لإنضاج الطعام.

ومع كل زيارة لاحقة إلى القرية، كنت أرى “الكانون” يختفي من بيوتها، فقد أصبح النساء يطبخن فيها الآن على “البوتاجاز” وعلى أقل تقدير “الوابور”، لكن “الكانون” ظل يقفز إلى ذهني كلما شاهدت تصريحا لأحد المسؤولين يختتم بالتأكيد على أننا بلد “كانون”.. عفوا أقصد “قانون”.

القانون في مفهوم هؤلاء لا يختلف كثيرا عن “كانون” بلدتي فأوجه الشبه كثيرة، والنظام لا يتورع أبدا أن يلقي بمعارضيه وشبابه الرافضين لسياساته، والصحفيين الذين ينتقدونه إلى “كانون” الحبس الاحتياطي لمدد طويلة يحترق خلالها أطفالهم وأسرهم وعائلاتهم بنار ذلك القانون أو “الكانون”، ويفقد بعضهم خلالها وظائفهم وتضيع أرزاقهم سعيا، وتتشتت أسرهم، لإنضاج واقع سياسي غريب!

ففي كانون الحبس الاحتياطي تجاوز زوجي محمد البطاوي الصحفي في مؤسسة أخبار اليوم 232 يوما، بدأت منذ 16 يونيو الماضي؛ صحفيون آخرون كـ “شوكان” تجاوزوا عامين، وخلال تلك الأيام لم تتم أبدا مراعاة ما يمكن أن نسميه “القانون”، وإنما فقط مراعاة أن يظل “الكانون” مستعرا.

وإليك أيها القارئ أبرز الخروقات التي جعلت من القانون كانونا:

  • في 16 يونيو 2015 تم اختطاف زوجي دون مذكرة قانونية أو أمر ضبط وإحضار أو إعلامنا بتهم واضحة، وجرى مصادرة عدد من متعلقاتنا الشخصية بدعوى أنه تفتيش “أمن وطني” بالمخالفة للقانون.
  • ظهر محمد البطاوي بعد 5 أيام أمام نيابة أمن الدولة العليا بعد بلاغات عديدة باختفائه قسريا، ورغم أن فترة الاحتجاز غير القانوني كفيلة بإبطال أي اتهام وفقا لـ “القانون”، وليس “الكانون” فقد تم حبسه 15 يومًا.
  • خلال 10 مرات تم تجديد حبسه بطريقة روتينية لم يسمح للمحامين ولو مرة واحدة بالحصول على حقه القانوني بالاستئناف على قرارات النيابة خلال 150 يوما.
  • في آخر عرضين على غرفة المشورة جرى تمرير العرض بشكل روتيني بسبب كثرة القضايا المعروضة، ولم يتم السماح لكل شخص بالحديث عن وضعه القانوني، كما تم رفض الاستئناف الذي قدمه محاميه دون أسباب.

المثير للأسى أن أولئك المحترفين للحديث عبر وسائل الإعلام المختلفة، ويغضون الطرف عن مآسي الناس؛ كثيرا ما ينطقون القاف المرقعة ليقولوها بكل صراحة: “بلد الكانون”.

فمصر الآن بعد ثورتين، أو مؤامرتين، أو ثورة وانقلاب، أو مؤامرة وثورة، أو أيا ما تحب أن تسمي، وفقا لرأيك السياسي الذي تعتنقه، أمام حقيقة أن كانون معتقلاتها مسعر بأبنائها شبابا وصحفيين وغيرهم من الآلاف، وأن الطبخة أعلى “الكانون” قد احترقت، وهو درس مهم أن نار المظالم تحرق ولا تنضج.

لكن المأساة أن “كانون” القرية يختلف عن “كوانينهم” فحتى النساء العجائز كن يراعين ألا يحترق الطعام فضلا عن المنزل، أما هم فلا يحرقون فقط المعتقلين؛ لكنهم يحرقون الوطن بمن فيه.

أنتظر خلال الأيام القادمة نتيجة العرض القادم لزوجي هل سيكون ممن أنعم الله عليهم بنيل حريته، أم سيكون ممن اختاره ليبقى خلف القضبان أمدا من الزمن لسبب لا يعلمه إلا هو جل شأنه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد