أتمثل سيدنا يوسف عليه السلام في سجنه مع الفارق، إذ تراوده نساء علية القوم عن نفسه فيستعصم، بل يطلب من الله السجن؛ لينجو من فتنتهن، وهو ما تعجب منه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، في واحد من أروع أحاديثه؛ وكلها رائعة، لكن ما يوافق جهاز الاستقبال من نفوسنا نستسيغه أكثر، بحسب الراحل الشيخ محمد متولي الشعراوي، قال الرسول العظيم: رحم الله أخي يوسف، لو كنتُ مكانه لما طلبت من الله السجن، ولسألتُه السلامة، أو كما قال سيدنا محمد.

وأتمثل، مع الفارق أيضًا، السيدة هاجر رضي الله عنها، إذ رزقها الله قرة العين وسند الحياة والمُعين على الهموم بعد رحلة لعلها كانت أكثر من قاسية من مصر إلى الشام، ثم ها هو ذا زوجها يتركها في الصحراء القاحلة بعد رحلة أخرى إلى الحجاز، يتركها بلا أهل ولا مال ولا عزوة ولا سند.. فضلًا عن أنه لا مجال لديها لإعمال الفكر لتنجو من الموقف العصيب.. أكاد أراها وهي تحملق في السماء فلا مطر ينزل، وتثب عيناها فوق الأرض فليس هناك مجرد السراب.. فيما صغيرها يتدفق في البكاء.. وكلما أنهت شوطًا من السعي عادت مسرعة لتبدأ الآخر من جديد.

وأتمثل سيدنا زكريا، إذ يروي عنه القرآن الكريم الدعاء الخالد الذي سيظل يتردد في مسامع البشرية ما وُجدَ التواء في الأنفس، وبالتالي ظلم وطغيان وعصف من الإنسان بأخيه الإنسان في هذه الدنيا المحدودة.. قال عليه السلام فيما رواه رب العزة: وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89). الأنبياء.

وكان سيدنا زكريا قد كبر عمره وانحنى ظهره واشتعل رأسه شيبًا.. كما أخبر في آية لاحقة، وخاف من قلة أتباعه من بني إسرائيل، ومن ضياع أمر الهداية والإيمان، واختلط ذلك بغربته الشعورية ونفاد صبره على قومه.. فلم يرد أن يكون فردًا في هذه الكون.. وترجى ربه الذي يرث الدنيا، وما، ومَنْ عليها، أن يؤنس وحدته بِمَنْ هو أشد قربًا من البشر الذين يتغيرون.. بابن من صلبه يظل على العهد ما دامت حياته، ولعل هذا ما جعل رب العزة يهبه سيدنا يحيى، ويطلق عليه هذا الاسم.. مُثبتًا قلب وفؤاد نبيه في شيخوخته ومُبقيًا النبوة والخير.. فلن نهبك الابن الذي يتخلى عنك في هذا المقام والسن.. ولعل هذا ما افتقده الأعرابي.. القليل الجهد والإيمان من أمثالنا لما رزقه الله بابن أسماه يحيي.. لكنه مات مبكرًا.. فانفلت قلب الشاعر منه هاتفًا:

فسميته يحيا ليحيا فلم يكن لرد قضاء الله فيه سبيل!

وأتمثل سيدنا يعقوب، إذ يفتقد سيدنا يوسف، فيظل يبكي بلا هوادة ولا تقصير في أمر أداء الرسالة والطاعة حتى ابيضت عيناه من الحزن عليه السلام، أو أصابته المياه البيضاء بلغة طب اليوم.. ولكنه كان يشكو همه وحزنه إلى الله، فيعلمه الله ما يعلم أبناءه الذين قصروا في حق أخيهم الصغير ثم الأصغر بنيامين.

وأتمثل أبا الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام، إذ يرزق الولد بعد عمر طويل من اشتياق إلى ضم واحتضان بعض من نفسه يعينه على قومه.. ويتسلى به على قسوة الدعوة والحياة، وكانت الأمنية عزيزة حتى أن الملائكة لما بشرته وزوجه الأولى السيدة سارة: قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) هود.

أتمثل سيدنا إبراهيم”، مع الفارق، وهو يرى الطفل الرضيع إسماعيل فما إن يتعلق قلبه به، حتى يقول له ربه ألقه وأمه في الصحراء وعد إلى قومك، وهو الزوج العجوز الذي بالكاد وهبه الله قريبا إسحاق من السيدة سارة، بعد إسماعيل من السيدة هاجر، وكانت الأولى هي التي زوجته بالأخيرة لما تعلم من اشتياقه الولد، فما إن علمت بحملها حتى أخذها ما يأخذ النساء من الغيرة، فتفتحت مسام الجسد المُغلقة في تكوين العجوز بإذن الله فتحمل هي الأخرى.

ولما يأتي أمر الله، ولما يحل الابتلاء بأرض قوم تتعجب للأسباب، وتُذهل طرق السلامة من الحل الإلهي، ولكن على السيدة هاجر أن تأخذ فلذة كبد إبراهيم وترحل أمام عينيه إلى الموات في الصحاري بلغة البشر، لكن الله أمر خليله أبا الأنبياء.. حتى إذا ما انتهت المحنة ووجد سيدنا إبراهيم ابنه وزوجته هاجر ثانية.. فيتحرك الحب القديم ويشتعل داخل قلبه.. فلكأنه أنساه ذكر ربه مجددًا فجاء الأمر الجديد، حُذِرَ هذا القلب من الانشغال عنا، عن رب العزة، ولو بالحلال من أمر هذه الدنيا الفانية لدينا فلم يرتدع .

ولأن الله يغار على قلب أخلص عباده أُمِرَ إبراهيم في الثانية بما هو أقسى.. اذبح حبيبك من البشر بيدك.. وكلما حاول أبو الأنبياء النسيان جاءته الرؤيا ثانية لتؤكد أنه سيفعل.. حتى لينفطر قلبه على طفل ألقاه في الصحراء في الصغر، فلما بلغ الصبا قال له واهبه بيدك اقتله، وأي قتل.. ذبحًا!

وتتحرك معاني الألم في نفس إبراهيم.. تلك الآلام التي علمتنا من بعد أن الحياة هي أن تصبر عما تحب.. عن فراقه.. وتتحمل ما تكره.. رغم قربه منك نظير رضا مَا وهبه لك الله.. يقول أبوالأنبياء لصغيره: ربي أمرني.. فهل تطيعني؟ أو كما قال عليه السلام، ويتله أبو الأنبياء للجبين.. مصداقًا لقوله تعالى: فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103). الصافات.. أي أنه وسيدنا إسماعيل تناقشا في قسوة الأمر الإلهي على نفسيهما، لكنهما في النهاية استسلما، وهو ما يُخبرنا أنه من حقنا أن نفكر في مراد الله.. ولكننا ننفذ حتى إن لم نفهم.. أو تألمنا.. فهو أدرى سبحانه بأمرنا منا، يُسلم الأب والابن أمريهما إلى الله.. ويقترح الصغير على أبيه أن يتله للجبين، أي أن يكبه أو ينيمه على وجهه لئلا يرى ألم عينيه.. اللتين طالما أحبهما؛ ألا يراهما متألمتين فيرحمه ويعصي أمر ربه!

وأتمثل مع الفارق معاناة وألم السيدة مريم إذ تأتي قومها بابن رضيع، وهي ما تزال عذراء، وهو الموقف الذي تمنت الموت لئلا تشهده، وأتمثل مرض سيدنا أيوب الطويل الشديد حتى ليبيع أغراض بيته، ويُقال إن زوجته باعت ضفيرتيها ليقتاتا فما زاد أن قال حينها على أن قال: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) الأنبياء.. وقيل إنه ما دعا إلا لما وجد زوجته حليقة الشعر.. بعد أن كانا في نعمة من الأهل والمال والولد، فصار مريضًا عاجزًا منفيًا!

أتمثل صبرهم جميعًا على كروب البلاء، مع الفارق، ومحن سيد الخلق حبيب الرحمن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم على فقد الزوجة السيدة خديجة رضي الله عنها والحامي من البشر عمه أبو طالب في عام واحد، وأتمثل حاله في شعب أبي طالب.. وفي معركة أُحد.. ويوم فقد ولده سيدنا إبراهيم، وهو على وشك الفطام من الرضاع.

أتمثل أمر هؤلاء جميعًا وصبرهم على أهوال أكثر مرارة مما يُلاقي صاحب هذه الكلمات.. فتقر النفس في وحدتها وبعدها عن الأهل والسند.. والدار والبلد، والزميل قبل الصديق الوفي!

وللحديث بقية ما دام في العمر بقية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد