من يقرأ التاريخ يتيقن أنه يُعاد أكثر من مرة، ولكن ما يحدث أن لا أحد يتعلم مما حدث، فكما كان يُخبرنا أجدادنا “اللي فات مات” وكأنه علينا أن نغض أبصارنا عن الماضي، وكأن التاريخ من المحرمات التي شَرع الله عدم النظر إليها أو لمسها.

 

لا أحد عاقل يمكن أن ينكر نُبل فكرة الثورة سواء كانت ضد ديكتاتور داخلي أو مستعمر خارجي، ولكن نجد أن كثيرًا من الثورات حادت عن مسارها فإما فشلت وإما سلمت نفسها لمغتصب آخر يعيث فيها فسادًا.

 

(1)

كانت رومانيا تمر بحالة من أسوأ الحالات الاقتصادية فلم تكن تصل الكهرباء إلا في حدود ساعتين للبيوت، ولم تكن هناك سوى قناة محلية واحدة بجانب قلة المواد الغذائية وشُحها، وكان هذا بحجة التقشف لسداد الديون في أسرع وقت ممكن, من الناحية الأخرى كان نيكولاي تشاوشيسكو أقرب إلى ما يسمى بجنون العظمة من وضع صوره على كل ما تصل إليه يده وبناء القصور، بينما يغتال الجوع شعبه.

 

في 1989، ثار الشعب الروماني على هذا الحكم الشمولي، وأعلن رفضه لديكتاتورية النظام, استمرت الأعمال الثورية إلى أن انتهت بالقبض على نيكولاي وزوجته وإعدامهما على يد الثورة.

 

لم تكد تنتهي تحركات الثورة وبدأ رجال الصف الثاني من حزب نيكولاي بترتيب أوراقهم وعقد الصفقات مع ركائز وأعمدة الدولة القديمة التي ما زالت محافظة على أماكنها فانتهت هذه التحركات إلى وصول إيون إلى الحكم (من قيادات الصف الثاني في حزب نيكولاي), لم يكد إيون يصل إلى الحكم بمساعدة رجال الدولة السابقة ومستفيدًا من عدم وجود أحزاب سياسية في العصر الديكتاتوري السابق وبدأ بإثارة الرأي العام والمواطنين على الثوار ونادى جموع الشعب الشريف إلى التصدي لأعمال التخريب التي يقوم بها المتآمرون الذين يسمون أنفسهم ثوار ونجح في مسعاه وتم إطفاء لهيب الثورة الرومانية بأيدي من قامت الثورة لأجلهم.

 

(2)

يختلف وضع الجزائر عما حدث في رومانيا فالبداية كانت ثورة على المستعمر الفرنسي وكفاح مسلح للاستقلال ثم مناوشات سياسية بعد الحصول على الاستقلال، ثم إرهاب سواء من الجماعات المسلحة أو من الدولة ذات نفسها.

 

لم تكن كافية تضحيات الشعب الجزائري في حرب الاستقلال التي راح ضحيتها أكثر من مليون شهيد، بل كان عليه أن يكون هو المجنى عليه من الجهات المتطاحنة.

 

في 1992، قام الجيش الجزائري بإلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وكان هناك وجهة نظر بأن تلك النتائج خطر على الأمن القومي الجزائري، بينما كان يرى آخرون أن ما حدث حرب على الإسلام أو حرب على الديمقراطية.

 

بعد اعتقالات وتعذيب وقتل لأعضاء الجبهة – على حسب رواية الجبهة- وحظر الجبهة، التجأت إلى حمل السلاح وبررت أن ما حدث ما هو إلا إعلان للحرب عليها.

 

ظل الصراع حتى تم عمل ميثاق السلم والمصالحة الوطنية وتم نزع سلاح الجبهة وعودتهم للحياة بعد أعوام من حياة الجبال. كانت المجازر تطول الشعب الجزائري عامة سواء كانت تلك المجازر من تنفيذ الدولة أو من المقاتلين.

 

في عام 1999، وبجانب المصالحات الجزائرية حصل  بوتفليقة على نسبة 74% في الانتخابات الرئاسية مع انسحاب البعض اعتراضًا على عدم نزاهة الانتخابات كما ادعوا. ما زالت الأحاديث عن ديكتاتورية النظام الجزائري تتسرب إلى الآذان وبجانبها السيطرة الأمنية على مجريات الأمور.

 

كان نصيب الشعب الجزائري أن يُضحى للحصول على الاستقلال، ثم أن يُضَحى به لاعتبارات سياسية.

 

(3)

مثال ثالث؟ لا أعلم ولكني أتركه لك لكي تبحث حولك عن شعب أو شعوب أخرى حاولت حصاد حريتها من مستعمر خارجي أو داخلي، فانتهى بهم الأمر في غياهب السجون أو انتهى كدماء في الشوارع ولم يحصد الشعب ما ثار من أجله. أو ظلوا في ديكتاتوريات أسوأ من سابقتها.

فلندعو أن لا يظل التاريخ يُعاد وأن لا نظل غاضين الأبصار عنه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد