ما دفعني لكتابة هذا المقال هو تعرض العرب كونهم عرقًا بشريًّا اليوم لهجمة شرسة يقودها تافهون عرب، ناهيك عن العجم، بقصد الإساءة لتراثنا وثقافتنا، وتحقير تاريخنا، إلا أن ما يهمني هو هؤلاء الوضيعون من أبناء جلدتنا، الذين تعتريهم القشعريرة من ذكر العرب والعروبة، فسخروا أقلامهم في بعض الصحف الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، وأعني الفيس بوك وتويتر للنيل من قيم هذه الأمة وتصوير العرب كأنهم برابرة! وأغلبهم للأسف من منبع العرب؛ أي الجزيرة العربية ومن يصفون أنفسهم بـ«الليبراليين». وهذا يصدّق المثل العامي الذي يقول: «كل بيت وإله بالوعة»، أي أن لكل جماعة أو بلد أو أمة مفسدين وملوثين لقيم هذا البيت أو الجماعة أو الأمة! إلا أن «البالوعات» كثرت هذه الأيام وصار من الصعب إحصاؤها ولجمها! ولكن ما يبعث الثقة والطمأنينة هو أن شرفاء الأمة هم الأكثرية الساحقة، وتاريخ الأمة حافل، لمن أراد الإنصاف، بكل ما يرفع الرأس من علم وأدب وأخلاق! وسنرى –وكلكم يعرفها ولكن للتذكير- بعضًا من مساهمات هذه الأمة في المجالات العلمية المتنوعة، ولولا بعض هذه المساهمات لما رأينا تكنولوجيا الغرب التي، بالتأكيد، استفدنا منها ونشكرهم عليها، ولكن لن ننسى فضائل أمتنا على العالم ولن ننتقص من قدرها العظيم!

لا يقدر أحد أن ينكر أن أمتنا عاشت، وما تزال تحت نير الاستعمار الخارجي والداخلي منذ قرن من الزمان. وكلاهما يمنعك منعًا باتًا من الإبداع والعمل لمصلحة الوطن، ربما الثاني يمنعك بسبب الفساد، وهذا اتهام مخفف! وعندما كان العرب أحرارًا، أيها المنتقصون من قدر الأمة، بنت فاطمة الفهرية القرشية العربية أول جامعة في العالم، جامعة القرويين، في مدينة فاس بالمغرب عام 859م! ودرّست جامعة القرويين العلوم الدينية والمنطق والرياضيات والطب والكيمياء والفلك. ومن بين الدارسين سيلفستر الثاني، وهو بابا الفاتيكان من 999 إلى 1003 وهو الذي أدخل الأرقام العربية إلى أوروبا! أي أن أرقامهم التي يستخدمونها اليوم في كل مجالاتهم 12345 هي أرقام عربية! ودرّس الطبيب والفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون في جامعة القرويين! وللمقارنة فإن أول جامعة في أوروبا هي جامعة بولونيا في إيطاليا وتأسست عام 1088 أي بعد جامعة القرويين بـ 229 عامًا! وفي الأندلس لم يبن العرب السجون، بل بنوا المدارس والجامعات والمشافي. مما جعل الأوربيين يتوافدون عليها لدراسة كافة أنواع العلوم.

أضف إلى ذلك أن العرب هم من اخترع الصفر الذي هو أساس كل تقدمهم العلمي والتكنولوجي، وإن وضعنا الصفر إلى جانب الأرقام فهم مدينون لنا بكل شيء، وإن كان هذا لا يعفينا هذا من التقصير المفروض علينا!

وفي مجال العلوم الفلسفية والمنطق فقد نقل ابن رشد علوم الإغريق «اليونان» للأوربيين، بشرحه لأرسطو كبير فلاسفة الإغريق بثلاثة مستويات: الشرح الصغير للمبتدئين، والوسيط لمن لديهم بعض المعرفة، والشرح الكبير للمتقدمين في العلم للدلالة على سعة الأفق والتفريق بين مستويات العلم والثقافة لدى البشر! وإن يعيّرنا بعض التافهين بأننا نستورد من الغربيين الأدوية ونستعين بهم في الطب، فالعربي ابن النفيس هو من اكتشف الدورة الدموية الرئوية في القرن الثالث عشر الميلادي. أما جابر بن حيان فهو الذي خلّص علم الكيمياء من الشعوذة والسحر وجعلها علمًا خالصًا. وألف ابن حيان حوالي 500 كتاب في كل أنواع العلوم، ولكن للأسف ضاعت، ولم يصلنا إلا عدد بسيط منها.

أما ابن الهيثم فهو أحد رواد علم البصريات في العالم، وهو من ابتدع المنهج التجريبي الذي نسبه الأوربيون زورًا لفرانسيس بيكون، الذي جاء بعد ابن الهيثم بخمسة قرون! وهو الذي أثبت أن العين تعكس الضوء الساقط عليها، عكس ما كان سائدًا؛ وهو أن العين تشع الضوء! وهذا الزهراوي أشهر طبيب جراح في عصره وملقب «أبو الجراحة» وألف كتابه «التصريف لمن عجز عن التأليف» أشهر المؤلفات العربيَّة في مجال الطب الجراحي. وكان أول من قام بعمليات جراحية لإزالة حصى المرارة والمثانة البولية. وليس هذا إلا غيضًا من فيض، يوم كان الأوربيون يغطون فيما يسمى لديهم عصور الظلام Dark Ages.

وأود أن أدلل على مساهمة العرب في تقدم الإنسانية بشهادة المستشرق والمؤرخ الفرنسي جوستاف لوبون الذي قال: «إن حضارة العرب المسلمين قد أدخلت الأمم الأوروبية الوحشية في عالم الإنسانية، فلقد كان العرب أساتذتنا، وإن جامعات الغرب لم تعرف موردًا علميًّا سوى مؤلفات العرب، فهم الذين مدّنوا أوروبا مادةً وعقلًا وأخلاقـًا، والتاريخ لا يعرف أمة أنتجت ما أنتجوه، إن أوروبا مَدينة للعرب بحضارتها، وإن العرب هم أول من علم العالم كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين». نشر العرب كل أنواع علومهم والأدوية التي اكتشفوها ولم يسنوا قانون «الملكية الفكرية» Intellectual Property للتحكم بإنتاجها وثمنها للتضييق على عامة الناس!

وأحب أن أعقد مقارنة بسيطة فقط للتذكير بين أخلاق العرب وأخلاق الغرب. رأينا كيف يقتحم الجنود الأمريكيون بيوت العراقيين، ورأينا حالة الرعب التي ترتسم على وجوه أطفالنا ونسائنا! و«الدرونز»، الطائرات بلا طيار، تقتل الأطفال والنساء «بالخطأ»، كما قصفت صواريخهم ملجأ العامرية في بغداد عام 1991 برغم علمهم أنه للأطفال والنساء! أهذا ما يعجبكم في الغرب، فلنقارن هذا مع تصرف «أبي جهل» الذي نصحه قومه باقتحام بيت الرسول صلى الله عليه وسلم وقتله للتخلص منه، فماذا قال هذا العدو اللدود: «والله لا تحكي العرب أني روّعت نساء محمد»!

نعم يتفوقون علينا تكنولوجيًّا وعلميًّا وسياسيًّا، ولو تهيأت لنا ظروف مثل ظروفهم فلن يسبقونا بشيء على الإطلاق. دليلي أنهم يحاربوننا بكل خبث وقذارة كي لا نمتلك أمرنا بأيدينا! شاهد الغرب أن العرب محترمون فقد كانوا سلميين في مظاهراتهم بل قام «الهمج»، بنظرهم، بتنظيف الميادين ورحلوا بهدوء! هذا أغاظهم كثيرًا جدًا، فلو امتلك هؤلاء – الذين قضوا سنوات يصورونهم للناس وما يزالون على أنهم وحوش وبرابرة – أمرهم، فسيسبقوننا لذلك «عليكم بهم يا أشرار العالم» لا تعطوهم الفرصة أبدًا! تقدم العراق في الربع الأخير من القرن الماضي حتى لم يعد دولة نامية، وأصبح لديه 11,000 عالم في كل المجالات العلمية، فقتلوا معظمهم «بالدريل» بواسطة وكلائهم في العراق، وأعادوه للعصر الحجري! واسألوا كولن بأول وزير خارجية أمريكا في عهد بوش الابن وقبلها كان رئيسًا للأركان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد