سمكة الريمورا هي سمكة طفيلية تعيش مصاحبة لسمكة القرش أو الحيتان أو السلاحف تتغذى على فتات الطعام من ولائم حاملها وتتنقل بالمجان لتكون في مأمن من أعدائها الطبيعيين. لكن لم تتوقف طبيعة الريمورا على تلك السمكة بل أصبحت حياتنا كلها ريمورا، أينما نظرت تجد الريمورا في أسلوب الجميع من أصغر الأطفال وحتى أكبر الناس عمرًا تجدها في طبقات المجتمع على اختلافها وبعض الأحيان كلما علت الطبقة احتاجت إلى التمسك بطبيعة الريمورا أكثر وأكثر، فاﻹنسان المصري هو ريمورا في أزهى صورها بداية من الطالب الذي يريد من زميله الشاطر أن يعطيه حل الواجب أو «اﻷسيمنت» بلغة الجامعة أو الذي يصاحب شخصًا ذا سطوة ونفوذ حتى يتمكن من حماية مصالحه سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة، أو من يجد شخصًا ما لديه فكرة ناجحة وحولها إلى مشروع فيأخذ الفكرة بحذافيرها وينفذها فيخسر الطرفان أو حتى القضية الأزلية التي أصبحنا دائمي التمسح بها وهي أننا أحفاد الفراعنة وبنينا اﻷهرامات والمعابد إلى آخر هذه المهاترات.

في الحقيقة طبيعة الريمورا متفشية إلى درجة تجعل من المستحيل القضاء عليها فهي تغرس في الطفل الصغير منذ نعومة أظفاره من قبل الأهل شيئًا فشيئًا على مدار سنوات تنشئته بدون شعور حتى تصبح جزءًا لا يتجزأ من شخصيته فتجد الأم تحث ابنها على مصاحبة زميله الشاطر حتى يصبح مثله ويذاكر مثل ابن خالته كي لا يصبح أحسن منه ويصاحب ابن المدرس كي يهتم به، حتى يكبر ويستمر نفس الأسلوب «صاحب فلانًا كي يشغلك أبوه واعرف فلانة لأنها غنية وسيسندك أهلها والتصق بمديرك ليرقيك أو يزيد راتبك» وكله مِن باب مَن جاور السعيد يسعد.

تجاوزت هذه الطبيعه الريمورية هذه المواقف التي تبدو قليلة الأهمية في نظر البعض لدرجة أصبحت تشكل خطرًا على مستقبل الأجيال القادمة فترى الساسة من أصحاب المناصب ذات القرارات المصيرية ما زالوا يتبعون هذه الطريقة في أدق أمورهم فكلما أتى نظام تلفح بعباءته فأيام المجلس العسكري كان الجيش خير أجناد الأرض والإخوان إرهابيين، فلما أتى الإخوان أطلق لحيته وقال اسمهم نصارى مش مسيحيين ويسقط حكم العسكر، وذهب الإخوان فأسماهم خوارج العصر ورجع الجيش خير أجناد الأرض والمسيحيون إخوة في الوطن، تجد الرئيس في العمل يتباهى بما حققه مرؤوسه ونسب الفضل لنفسه، والسياسي ينقض على أي موقف حتى لو كان إنسانيًا وسيسه وتحدث باسمه لمجرد أنه سيعطيه بعض الشهرة والتعاطف «يلمعه» والدولة ترفض تمويل أي عالم مهما كانت فائدة بحثه و«تطفشه» وعندما ينجح عمله نقول «هم دول ولاد البلد دي وبيرفعوا راسها» فنحن نرفض أن نكون جزءًا من النجاح لكن لا نجد أي غضاضة في التطفل عليه.

تلك الطبيعة لم تتوقف عند هذه الدرجة بل طالت مستويات وكيانات أكبر كالدول، فتجد الدولة الفلانية ضعيفة فتتحالف مع دولة كبيرة لتضمن حمايتها من متربصيها أو دولة تتحالف مع دولة كي تغيظ دولة أخرى فعدو عدوي صديق؛ لكن القشة التي قصمت ظهر البعير أن هناك دولًا كانت منهكة من جهل وحروب وغيرها من آفات التخلف اجتهدت ووضعت خطة تتواءم وطبيعة شعبها وثقافته فنجحت وأبدعت فتأتي دولة نامية كمصر مختلفة جغرافيًا وثقافيًا ومختلفة حتى في الموارد المتاحة لتأخذ بنفس التجربة لتطبقها «قص ولصق» دونما أي تعديل لتتواكب مع الفارق الزمني والاجتماعي وطبيعة الشعب كالتجربة الماليزية والصينية والسنغافورية وغيرها الكثير، ثم تعود وتتساءل لمَ لمْ ننجح فنكون قد أضعنا الوقت والجهد في المحاكاة والتقليد حتى أصبحنا ريمورا تتطفل على العالم نأخذ منه العلم والموضة والتكنولوجيا وحتى الغذاء وكل شيء.

الخلاصة، أن كل شخص أو مجتمع فريد بذاته وثقافته وموارده فتخلصوا من تلك الطبيعة الريمورية يرحمكم الله حتى نصبح مجتمعًا مبتكرًا ومتطورًا قادرًا على الإبداع والعطاء وتكوين شخصية مستقلة عن العالم، وتجربة فريدة في بناء وطن، ولن نكون كذلك حتى نتوقف عن قول أنا صاحب فلان وابن فلان وقريب علان ونبدأ بتكوين كيانات مستقلة تقول أنا فلان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد