بحثت في تعريف النهضة بين الشرق والغرب بين الماضي والحاضر بين الواقع والمأمول, فوجدتها تلك الحالة تسمو بالإنسان على أرض مهدت كي تليق به ليشعر أنه كريم على أرضه, عزيز بين أهله, رائد في فكره, راقٍ في سلوكه, يمتلك أسباب الحضارة ويمسك بناصية التقدم.

 

 

 

 

 

فالنهضة لا تصبح واقعًا تحياه الأمم إلا حينما يعاد إنتاج الإنسان داخلها, بحيث يصبح إنسانًا فاعلا في عجلة النهضة الحضارية, وكلما برعت هذه النهضة في تجويد إنتاجية الإنسان داخلها على كل الأصعدة, كلما قويت النهضة وزاد خطها الزمني امتدادًا وطال بقاؤها.

 

 

 

 

 

 

فالنهضة ليست أبنية عالية وأبراجًا شاهقة ومدنًا جديدة، ولا سيارات فارهة ولا أموالًا طائلة. فكل هذه العلامات تبقى أطلالا إذا لم تستطع أن تنتج إنسانًا قادرًا على اكتسابها ثم الحفاظ عليها ثم تنميتها.

 

 

 

 

 

وأثناء زيارتي لبعض الدول, بهرني بعضها حينما رأيت العمران والإنفاق ومستوى المعيشة, ولكن حينما تدبرت في ماهيتها وغصت في أعماق حقيقتها, وجدتني أقف على أعتاب حقيقة أذهلتني:

 

 

 

 

 

 

 

 

أن هذه النهضة مزيفة ولا يمكن أن تؤدي إلى حضارة، ولكنها حالة مؤقتة من الرفاهية والتطور أصاب الحجر والوبر والمدر, ولكنها للأسف تظل متيبسة متجمدة في مكانها لا تستطيع أن تخترق ذلك الإنسان، فيظل على حالته الأولى من الترهل والتقوقع والانكفاء وتصبح مظاهر النهضة التي يحيا بداخلها كفقاقيع الهواء تنزوي واحدة تلو الأخرى، وحينما تنضب مصادر الرفاهية المزيفة يعود هذا الإنسان كما بدأ, وحيدا فقيرا ضعيفا يعيش دائما على أعتاب الحضارات.

 

 

 

 

 

 

 

 

فالنهضة التي تبني حضارة تبقى شامخة على مر الزمان, هي تلك التي تُعنى بالإنسان؛ تنمي معارفه, وتبني قيمه, وتؤسس أخلاقه وترفع ثقافته, وتحسن بيئته, وتسمو بعقله, فيكون لبيبًا واعيًا رائدًا, يساهم في بناء النهضة ويحمل لواءها ويسقي غرسها من عرقه ودمه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وعلى سبيل المثال, حينما تشابهت النهضة اليابانية مع النهضة العربية في مقدماتها واختلفت في نتائجها, كان ذلك دليلا واضحًا على اختلاف أولويات كلتا النهضتين من البداية؛ فالنهضة العربية التي بدأها محمد علي من مصر وعلى امتداد ثمانين عامًا من البناء والتشييد والعمران، تبلورت في أزهى صورها في عهد الخديوي إسماعيل.

 

 

 

 

 

 

 

حيث أصبحت القاهرة في عمرانها وشوارعها وطرقها وقصورها كأوروبا أو كباريس بالتحديد كما كتب المؤرخون، ولكن ولأن الإنسان كان هو الكيان المهمل الوحيد في كل معادلات النهضة التي أرسى قواعدها محمد علي وجنى ثمارها كل من الخديوي إسماعيل وانتهاءً بالخديوي توفيق

 

 

 

 

 

والتي انهارت كل جوانبها وأركانها المزيفة مع احتلال مصر في عام 1882م, على يد الإنجليز وانزواء النهضة والحضارة الوهمية في حالة تبعية بغيضة استنزفت الطاقات والمقدرات وسلبت الحقوق والمكتسبات.

 

 

 

 

 

 

 

 

هذه الحالة المزيفة من النهضة التي لم تكن واقعًا يحياه الإنسان بقدر ما كانت حجارة وعمارة وطرقًا وشوارع، ما لبثت أن تراجعت وتآكلت حينما جف معينها ونضبت مصادرها, فأصبحت أطلالا تحكي قصصًا لفترة من الازدهار, حلق فيها البنيان والعمران حتى جاوز البصر, وسقط فيها الإنسان في أتون الجهل والتخلف والجمود والضعف, فسقطت النهضة المزيفة وأصبحت ماضيًا يُروى وأطلالًا تُزار.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وعلى النقيض, فطن اليابانيون لأهمية الإنسان وباتوا يجوبون الأرض شرقًا وغربًا بحثًا عن أسباب النهضة وبواعث الحضارة التي تسمو به وتزكي عقله.

 

 

 

 

 

ومن الغريب أن نعرف بأن هناك بعثة علمية يابانية جاءت إلى مصر لتتقصى حقيقة التطور والنهضة التي انعكست على حالة العمران والبنيان, ونهلوا من تجربتنا الحديثة واستطاعوا أن يتجاوزوا الأخطاء وينحازوا إلى الإنسان، فبدؤوا به كي يكون عنصرًا مستدامًا للنهضة, يملكها ويبثها حيث صار ويعيدها إذا تحللت بعض مظاهرها وأركانها, لأنه هو وحده من يملك مفاتيحها ويستأثر بسر وجودها.

 

 

 

 

 

 

فعندما دخل الاحتلال الإنجليزي مصر في العام 1882م بالتعاون مع الخديوي توفيق، بدأت مظاهر النهضة في الذوبان وتآكلت كل صور التحضر, وعاد الإنسان سيرته الأولى، وسقط قناع التقدم والرقي، لأن من أرسى قواعده لم يكن يأبه لذلك الإنسان.

 

 

 

 

 

 

 

على النقيض تمامًا، ولأن اليابانيين تعلموا من تجارب النهضة حولهم، فكان الإنسان هو ركيزة النهضة وعمود الحضارة وعماد الرقي, فخاضوا به غمار المعرفة وبذروا له بذور العلم, وفتحوا له آفاق الحقيقة, فتم لهم ما أرادوا فكانت نهضة حقيقية مكتملة الأركان.

 

 

 

 

 

 

وحينما هزموا في الحرب العالمية الثانية وألقيت القنابل النووية على هيروشيما ونجازاكي, وتحولت اليابان إلى أرض محروقة ضاع فيها العمران وانقشعت عوامل التقدم وانهدمت مظاهر الرقي, لم تلبث اليابان أن استعادت سريعًا نهضتها وبنت من جديد حضارتها, لأنه حينما أصبح العمران خرابًا والطريق سرابًا لم تفقد ركنها الأعظم ألا وهو الإنسان, فما لبث أن أعاد البناء وأقام النهضة وأسس الحضارة من جديد.

 

 

 

 

 

 

 

ومازلنا في سباتنا العميق نسترجع ذكريات التاريخ ونبكي على أطلال النهضة وآثار الحضارة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد