شهدت علاقات مصر وإثيوبيا توتُّرًا غير مسبوق منذ أن بدأت أديس أبابا في عام 2011 بناء سد النهضة، هذا التوتر القائم منذ سنوات بين البلدين انتقل اليوم إلى مرحلة أكثر تصعيدًا، مع فشل جميع جولات التفاوض خلال الأعوام الماضية، قالت إثيوبيا إنّها ماضية بخطتها لملء سد النهضة بحلول يوليو (تموز) المقبل، معتبرة أنه «لا حاجة لإخطار السودان ومصر بذلك»، بهذا التصريح أشعلت إثيوبيا فتيل أزمةٍ كانت خامدة وساكنة بعض الشيء، الأمر الذي أدى إلى موجة شعبية عبر تساؤلاتٍ كبيرة يطرحها شعوب البلدين وبالأخص الشعب المصري عن دور الحكومة في حماية أمنها المائي. هل فرَّطت مصر حقًّا في حصتها من مياه النيل؟ يُعيد مشهد اليوم ومعركة التفاوض الحالية بين إثيوبيا ومصر إلى أذهان المصريين حادثة التنازل التام عن جزيرتي (تيران وصنافير) بعد قرار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في أبريل (نيسان) 2016 بتبعية الجزيرتين للسعودية ليفجِّر حالة من الغضب الشعبي، وأزمة داخلية بين مؤيد للقرار ومعارض له.

وعن أزمة سد النهضة فبحسب المؤشرات الظاهرة، تبدو القاهرة عاجزة عن التعامل مع أديس أبابا ودون أي أوراق قوة وضغط، كما يبدو أنها في طريقها لخسارة معركة ملء خزان السد والحفاظ على حصتها السنوية من مياه نهر النيل البالغة 55.5 مليار متر مكعب، بعد أن نجحت إثيوبيا من قبل في معركة بناء السد بتوقيع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على وثيقة الخرطوم عام 2015 التي أقر فيها بحق إثيوبيا في بناء السد. فالاتفاق الإطاري بين مصر والسودان وإثيوبيا، الموقع في الخرطوم في مارس (آذار) عام 2015، ينص على أنه «في حال تعثر المفاوضات يمكن اللجوء إلى الوساطة». وقد استضافت العاصمة الأمريكية واشنطن في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي مفاوضات بوساطة من البنك الدولي ووزارة الخزانة الأمريكية، بين دول حوض النيل الثلاثة. ووفقًا لنص الاتفاقية فقد اعترفت مصر بحق إثيوبيا في بناء سد النهضة على مياه نهر النيل الأزرق بشرط عام هو ألا يضر السد بمصالح دول المصب مصر والسودان، لكن الاتفاقية لم تحدد حصة كل دولة من المياه، كما أنها لم تضع أي بنود لكيفية حل النقاط الخلافية والعالقة بين البلدين.

«إن خطوات مصر القانونية لحل قضية سد النهضة محددة وواضحة، تبدأ بمباحثات، وإذا ما تعثرت يتم اللجوء لوسيط، وإذا ما فشلت هذه الخطوة يتم اللجوء إلى الهيئات الدولية، وأخيرًا الذهاب إلى محكمة العدل الدولية». بهذه الخطوات صرَّح محمود أبو زيد، وزير الري المصري الأسبق وخبير المياه الدولي، بالطريق الذي ستسلكه مصر في قضية سد النهضة وحماية أمنها المائي، وربما قد يلاحظ المتابع للشأن المصري في هذه القضية أن الجهات المصرية الرسمية، بل حتى الإعلام المُقرَّب من السُلطة يتجنب الحديث عن أي خيارٍ عسكري في مواجهة هذه المُعضلة، وإنما يقتصر الحديث في الأمر على لجانٍ إلكترونية تزيد من تضخِّم المشكلة وصعوبة حلها بالطرق الدبلوماسية والقانونية. وكانت النقاط الشائكة في المحادثات هي كمية المياه التي ستطلقها إثيوبيا في اتجاه مجرى النهر من السد خلال فترة جفاف متعددة السنوات، وكيف ستحل إثيوبيا ومصر والسودان أي نزاعات مستقبلية.

أشار عطية عيسوي، خبير الشؤون الأفريقية بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، إلى ضرورة إبرام اتفاق جديد حول فكرة اللجوء للتحكيم الدولي، «إذ لم ينص اتفاق الخرطوم الإطاري على التحكيم الدولي» من الأساس. إذًا توقيع اتفاقية جديدة قد يضمن لمصر أمنها؟ سؤالٌ عند طرحه يُحضر في البال سؤالًا آخر لُزامًا، وهو«لماذا يتنازل السيسي عن اتفاقية دولية مودعة بهيئة الأمم المتحدة تحفظ مياه مصر وسيادتها ويوقع بدلًا منها اتفاقية الخرطوم عام 2015، ويعطي لإثيوبيا الحق في بناء سد بلا شروط أو مواصفات ويلغي بذلك اتفاقية دولية لعام 1993؟»، نعم هنالك اتفاقية مودعة بالأمم المتحدة عام 1993، بين مصر وإثيوبيا تمنع بناء السدود، وهو ما كشفه الخبير الاقتصادي المصري محمود وهبة عبر حسابه في «فيسبوك».

تنازلات السيسي وفقًا للمعارضة المصرية بدأت مباشرة بعد توليه الحكم رسميًّا، حيث وقّعَت مصر في نوفمبر 2014 الاتفاقية الإطارية لترسيم الحدود البحرية المصرية مع كل من قبرص واليونان، رغم رفض الحكومة المصرية توقيعها منذ 2006. وأسفر الترسيم عن تنازل مصر عن مساحة تعادل ضعف مساحة دلتا النيل في مصر، كما صرح نايل الشافعي المحاضر في معهد ماساتشوستس للتقنية وأحد المهتمين بقضايا الغاز.

وضعٌ لا تحسد عليه حكومة مصر، بعد انخراطها في الملف الليبي والتجهُّز لمواجهة تركيا على الجبهة الشرقية لمصر، وعملياتها العسكرية المستمرة في شبه جزيرة سيناء ضد «بؤر» المسلحين، وفق ما أسمتهم. والآن تتخوف القاهرة من تأثير سلبي محتمل للسد في تدفق حصتها السنوية من مياه نهر النيل البالغة 55.5 مليار متر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سد النهضة
عرض التعليقات
تحميل المزيد