أي خراب يحل على مصر بعد توقيع النظام العسكري وثيقة تعطي لإثيوبيا الحق في بناء سد النهضة، مهدرًا بذلك الاتفاقيات الدولية التاريخية التي تحفظ لمصر حقها التاريخي في ماء النيل، والتي تنص على عدم إنشاء أي سدود أو مشروعات على النيل الأزرق أو نهر عطبرة, قد تؤثر على حصة مصر من ماء النيل؛ والبالغة 55 مليار متر مكعب، والتي تمثل 97% من المياه المتاحة لأشكال الاستهلاك المختلفة للمياه في مصر.

أي بؤسٍ نحن مقدمون عليه، ومصر مصنفة ضمن دول الفقر المائي، حيث يبلغ متوسط نصيب الفرد من الماء 650 مترًا مكعبًا، في حين أن المتوسط العالمي للفرد 1000 متر مكعب، وبدلاً من أن يسعى نظام العسكر إلى تنمية قدرات مصر المائية, إلا أنه وَقّع على وثيقة بناء هذا السد. والتي ستتناقص على إثرها حصة مصر من ماء النيل بمقدار 12 مليار متر مكعب؛ مما يؤدي إلى بوار 2.5 مليون فدان من الأراضي الزراعية، وتَعطّل أكثر من مليون مصري يعملون في الزراعة عن العمل.

أي دمار قد يلحق بمصر وهذا السد الذي تبلغ سعته التخزينية 74 مليار متر مكعب مُعرضٌ للانهيار بحسب خبراء، بما يعني غرق مصر والسودان وانهيار السد العالي. وهو أمر ليس بمستبعد نظرًا للتغيرات الجيولوجية المتوقعة نتيجة لتراكم هذا الكم الهائل من المياه المخزنة خلف السد.

إن إنشاء السد فكرة أمريكية صهيونية قديمة، رَوّجوا لها لدى الحكومات الإثيوبية المتعاقبة منذ خمسينات القرن الماضي, تحت دعاوى معلنة وهي استفادة إثيوبيا من مقدرات هذه المياه التي تمر بأراضيها نتيجة لسقوط الأمطار الغزيرة هناك، سواء في إنتاج الكهرباء أو الزراعة. لكن هدفًا غير معلن يلوح في الأفق ألا وهو خنق مصر والتحكم فيها، عن طريق السيطرة على موردها الرئيسي من المياه.

إن الكوارث المتلاحقة لهذا الاتفاق لا تقف عند حد إنشاء هذا السد، بل إن هناك أربعة سدود أخرى في طريقها إلى الإنشاء بسعة تخزينية تصل إلى 200 مليار متر مكعب من المياه، بما يعني في حال تنفيذها انهيار حصة مصر من ماء النيل. فإذا أضفنا إلى ذلك التوقعات العالمية التي تشير إلى انخفاض معدلات المياه المتاحة خلال السنوات المقبلة، فإن ذلك يؤدي إلى جفاف مطبق يلحق بها في قابل الأيام، مع حروب وصراعات على المياه لا يعلم مداها إلا الله، كنا في غنى عنها، إذا لم يتم التوقيع على وثيقة كهذه. فما هو المقابل الذي تجنيه مصر من وراء ذلك؟

أهو الاعتراف الإثيوبي بنظام الانقلاب العسكري كما يقولون؟

أهو تثبيت أركانه في المحافل الدولية ولو على حساب مصر وشعبها؟

لقد كان المتوقع من هذا النظام أن يستخدم ما يجيده، ألا وهو القدرة العسكرية في ردع النظام الإثيوبي عن القيام بعمل كهذا, ولكن على عكس المتوقع تمامًا, كان الرضوخ والاستسلام التام للمطلب الإثيوبي. ذلك أن النظام الإثيوبي أدرك أن النظام العسكري المصري لا يملك القدرة على تنفيذ تهديد كهذا، بشن غارات عسكرية على سد النهضة أثناء إنشائه، وهي الفرصة الأفضل لوقف مشروع إنشاء السد في مراحله الأولى, قبل أن يستفحل الأمر ويصبح من الصعب اتخاذ إجراء مشابه في المستقبل, بعد استكمال إنشاء السد وتخزين المياه خلفه.

وكان المتوقع من الأنظمة العربية الخليجية الداعمة لنظام العسكر، وهي التي تستثمر أموالاً ضخمة في إثيوبيا في مشروعات عملاقة, أن تستخدم ما لديها من أوراق ضغط للتأثير على القرار الإثيوبي في إنشاء هذا السد، وخاصة أن الهدف المعلن من إنشاء السد هو إنتاج الكهرباء والتي يمكن إنتاجها بطرق أخرى غير ذلك، كما أن كمية المياه الناتجة عن سقوط الأمطار في إثيوبيا تبلغ 800-900 مليار متر مكعب سنويًا، تحتاج فقط إلى تنظيم في إنشاء شبكات الري وطرق الاحتفاظ بالمياه لاستخدامها في الزراعة، ولكن يبدو أن المصالح الاقتصادية هي الحاكمة في التحرك السياسي لهذه الدول.

وكان من المتوقع أن يكون هناك دور للكنيسة المصرية الداعمة لنظام العسكر, بما تملكه من سلطان على الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية التابعة لها، في الثأثير على قرار الدولة في إثيوبيا، ولكن يبدو أن هذا لا يصب في مصلحة الكنيسة المصرية الآن.

لقد أقام إعلام العسكر الدنيا ولم يُقعدها حول الآثار السلبية والخطيرة لسد النهضة إبان حكم الدكتور مرسي، ولكنّا لا نسمع له صوتًا هذه الأيام، وكأن قد أصابه الخرس, فما هو السر وراء ذلك؟

وما هو التفسير أن يتم أمر الوثيقة في سرية ودون عرضه على الحوار المجتمعي؟

وما السبب أن يتم التوقيع على هذه الوثيقة بهذه السرعة، بما يضمن سرعة إنجاز السد؟ أهو شعور النظام العالمي بقرب نهاية النظام العسكري في مصر؟

فيسارع بإنجاز هذا الملف حتى يقطع الطريق على أي نظام حكم مدني مستقل عن الغرب في المستقبل، أم ماذا؟

هذا ما سنعرفه في الأيام القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد