في مثل هذا الشهر، يونيو (حزيران)، قبل أكثر من مائتي عام، وتحديدًا في 25 يونيو 1882، وقَّعت كل من: الدولة العثمانية ( كانت مصر تحت ولايتها)، وبريطانيا وفرنسا، اتفاقا عرف باسم «مؤتمر الأستانة»، خلص إلى اتفاق يقضي بعدم التدخل بأي شكل من الأشكال في شئون مصر الداخلية.

إلا أنه قبل لحظات من التوقيع على الاتفاق، أصر مندوب بريطانيا إضافة «جملة استثنائية» بسيطة، وهي: «إلا في حالة الضرورة القصوى»، إلى نص الاتفاق.

لم تر الدولة العثمانية أو فرنسا مشكلة في هذه الجملة العابرة، حسبما اعتقدتا، ووقعتا على المعاهدة، دون مزيد من المراجعة، أو تعقيب على العبارة المضافة.

في المقابل كانت بريطانيا تعرف ما تفعل تمامًا، وتستخدم قواعد اللغة لتمرير لعبتها، وتنفيذ خطتها التي عزمت عليها قبل توقيع الاتفاق، ولم يمر سوى أسبوعين فقط حتى كانت بريطانيا تحتل مصر، وتبسط سيطرتها عليها، وظلت بها طيلة 74 عامًا، وكان ذلك استنادًا لهذه الجملة الاستثنائية.

 فقد نشب خلاف بين «عربجي» مصري بالإسكندرية وأحد الركاب البريطانيين، وحدث على إثرها صدام بين بعض الإنجليز والمصريين، رأت بريطانيا أن هذا الحدث يقع تحت عبارة «الضرورة القصوى» التي أضافتها للاتفاق، ودخلت القوات البريطانية مصر، واحتلتها.

وفي يونيو أيضًا، ولكن في عام النكسة 1967، احتلت إسرائيل سيناء المصرية، وكامل فلسطين والجولان، وقبل نهاية العام، اجتمع مجلس الأمن وأصدر قراره الأشهر الذي حمل رقم 242، يقضي بإلزام إسرائيل بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها في حربها الأخيرة، ولكن إسرائيل تدخلت لتغيير حروف قليلة من كلمة الأراضي، لتجعلها «نكرة» بدلًا من التعريف، ويصبح القرار هو انسحاب إسرائيل من «أراضٍ» احتلتها في حربها الأخيرة، وبذلك تم تفريغ القرار من مضمونه، ولم يعد هناك إلزام لها بالانسحاب، وتمكنت من تأويل القرار، وعلى إثر ذلك استمرت سيناء تحت الاحتلال الإسرائيلي حتى تحريرها، وظلت الأراضي العربية الأخرى التي أرادتها إسرائيل تحت الاحتلال حتى اليوم.

في يونيو هذا العام 2020، وصل الاتفاق حول ملء سد النهضة الإثيوبي لطريق مسدود، وبذلك أصبحت مصر أكبر الخاسرين، لأن إثيوبيا تمكنت من بناء السد خلال الأعوام الماضية، والإعلان عن بدء الملء الفعلي الشهر المقبل، استنادًا إلى اتفاق إعلان المبادئ الموقع في 2015 بين مصر وإثيوبيا والسودان، والذي أتاح لإثيوبيا بناء السد.

لم يعد أمام مصر حال الاستمرار في اعتماد هذا الاتفاق مبدأ للعلاقات بين البلدان الثلاثة بشأن سد النهضة سوى تفعيل المادة الثالثة في إعلان المبادئ التي تعهدت إثيوبيا خلالها بعدم إلحاق أي ضرر بمصر عند ملء السد، ولكن «جملة صلة الموصول»، جعلت هذه الطموحات أدراج الرياح.

فقد نصت المادة الثالثة على أن: «تتخذ الدول الثلاثة كافة الإجراءات المناسبة لتجنب التسبب في ضرر «ذي شأن» خلال استخدامهم للنيل الأزرق».

فجملة صلة الموصول «ذي شأن» فرغت المادة من مضمونها الأساسي، وجعلت أي ضرر مهما كان بالغًا يمكن لإثيوبيا التهوين منه واعتباره ضررًا غير ذي شأن، بناء على تفسيرها، لتتمكن بذلك من ملء السد في الموعد المقرر، دون اتفاقات ملزمة لها بعدم الإضرار بمصر، وتصبح المادة الثالثة كأن لم تكن.

ويخشى كثيرون أن تطيح العبارات غير الملزمة التي اشتمل عليها إعلان المبادئ جهود التفاوض المضني خلال السنوات الخمسة الماضية، وتلحق عبارة عدم الضرر بمصر، بمثيلاتها اللائي كن سببًا في احتلال الإنجليز لمصر طيلة 74 عامًا، واحتلال الإسرائيليين لسيناء، حتى استردادها كاملة بعد نحو عشرين عامًا، وتضع مصر أمام مصير محتوم لا يستند لهذا الاتفاق الذي قضت عليه قواعد اللغة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أزمة, النهضة, سد

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد