ما أسرع الأيام! لقد تحول الحلم الإثيوبي إلى حقيقة تشق آفاق الخيال. نعم؛ سد النهضة الإثيوبي الكبير يكتمل أو يوشك في ظل حالة من الغموض، وأسئلة حائرة أرّقت أو توشك أن تؤرق شعبين كاملين في مصب نهر النيل العظيم.

منذ قرابة الخمسة أشهر أعلنت السلطات في إثيوبيا أنها بدأت بالفعل في تخزين المياه بعد أن اقترب البناء الضخم من الاكتمال، البناء الذي يقع بالقرب من الحدود السودانية الإثيوبية في منطقة بينيشانغول عند نهر النيل الأزرق، والتي تبعد بحوالي 900 كيلو مترًا عن العاصمة الإثيوبية أديس أبابا.

ويقع المشروع على مساحة شاسعة على امتداد بعرض 1800كم، وارتفاع يصل إلى 170 مترًا؛ ليكون بذلك عند اكتماله أكبر سد خرساني في أفريقيا، والعاشر عالميًا إنتاجًا للكهرباء، والذي يعمل به 8500 شخص يوميًا على مدار الساعة؛ للانتهاء من المشروع بتكلفة تجاوزت 4.7 مليار دولار. تدعي إثيوبيا أنها مولت المشروع بنسبة تتجاوز التسعين بالمائة، والباقي كان للأصدقاء من جهات إقليمية ودولية، عرضت المساعدة والاستثمار.

تحوم الشكوك حول ماهية هذه الجهات؛ حيث إن شركة المقاولات الفاعلة هي إيطالية ذات خبرة بتلك الأماكن الوعرة، والدعم المالي جاء من الصين وفرنسا، وهناك ادعاء بمشاركات مقنعة من إسرائيل، ودول أخرى منها دول عربية.

لكن على كل حال المجال هنا ليس للحديث عن نظريات المؤامرة، إنما لعرض المشهد وتوجيه السؤال الحائر لمن يستطيع أن يجيب عليه قبل فوات الأوان.

تبلغ السعة التخزينية للخزانين العملاقين على جانبي السد حوالي 74 مليار متر مكعب من المياه، وهو رقم يقارب حصتي مصر والسودان معًا.

ويتوقع أن تقوم التوربينات العملاقة على السد بتوليد حوالي 6000 ميجاوات، وهو رقم يقترب من حوالي ثلاثة أضعاف الطاقة الكهرومائية، التي تنتجها المحطات المخصصة لذلك عند سد أسوان العالي بمصر؛ مما يسمح لإثيوبيا بتصدير فائض الكهرباء للخارج، ويتحقق لها دور استراتيجي محوري هام؛ لتسد الفراغ الذي نتج عن تراجع باقي القوى الإقليمية سياسيًا واقتصاديًا.

منذ وضع «ميلس زيناوي» رئيس الوزراء الإثيوبي السابق حجر الأساس للسد في أبريل 2011؛ ويجري العمل على قدم وساق، يوشك على النهاية مع نهاية عام 2017؛ ليتحقق لهم ما أرادوا منذ عشرات السنين.

نقر بحق كل شعب في تحقيق مصالحه، والحفاظ على موارده، واستثمارها، وتنميتها؛ لكن الأسئلة المهمة الآن لا إجابة عليها، ولعل من أبرز ما حدث في هذا الموضوع اجتماع شهر يونيو 2013 مع فريق من الخبراء والشخصيات العامة والسياسة مع «محمد مرسي» – رئيس الجمهورية آنذاك – والحلول التي تنم عن فقر دبلوماسي عميق، كدعم المتمردين الإثيوبيين، أو تدمير السد قبل أن يكتمل، وإذاعة الاجتماع مباشرة عن طريق الخطأ؛ وتسبب ذلك في حرج دبلوماسي بالغ، اعتذرت عنه الدولة، وأصدرت الحكومة بيانًا رسميًا يحث على التعاون والإخاء.

ولا زالت الصورة غامضة منذ 2011 وإلى الآن، ونريد أن نعرف إلى أين وصلنا في هذا الملف، ولعل الجانب الإثيوبي ماضٍ فيما يفعل، دون اعتبار لأي حقوق تاريخية عُرفًا أو اتفاقًا مكتوبًا، ولعل الشقاق يكون وشيكًا بين دول المنبع والمصب في ظل أسئلة كثيرة حائرة حول الأمن المائي في مصر، التي تعاني على المستويين الزراعي والمائي قبل تشغيل السد رسميًا بالقدرة الكاملة له.

الوضع الحالي يكتنفه غموض وهدوء، قد يسبق عاصفة من الفقر المائي والجفاف، وزيادة نسبة التصحر، ولعل شعوب المصب تنتظر خططًا دبلوماسية، وحلولًا واقعية بديلة لحل هذه المشكلات المتوقعة قريبًا قبل أن تحدث، والتخفيف من الأضرار المتوقع حدوثها فهل من مجيب؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد