بعد مماطلات خدعتنا بها حكومة السيسي يخرج علينا رئيس وزراء إثيوبيا بتصريح يوقف سيل الكذب، ‏قائلًا: الأرض أرضنا، والمياه مياهنا، والمال الذي يبنى به ‎سد النهضة مالنا، ولا قوة يمكنها منعنا من بنائه. لكن يبدو أن رئيس وزراء إثيوبيا ظن أن الارض يسقط حقها بالتحرر من الاحتلال مع طول المدة.

فما هي قصة أرض بني شنقول التي تزعم إثيوبيا أنها أرضها، وتبني عليها سدا يقطع شريان الحياة عن مالكيها الأصليين جغرافيا أو بحق التبعية القديمة؟

تلك الأرض يعدو بها التاريخ ليقذفها خلف الشمس، حيث عتمة النسيان، لأن تاريخ تلك الأرض منطوق وليس مكتوب، لأن الناس بها يجيدون الكلام لا كتابة الأبجدية ، فهناك لا توجد معابد نقشت على جدرانها هويتهم، وحضاراتها وتاريخها، إذ برع المحتل بطمسها، فلم يبق منها إلا بعض القصص والروايات التي تحكى، وحينما ينفض سامرها تنفض قيمتها وتذهب أدراج الرياح.

هذا للأسف حال كثير من حضارات وممالك سودانية صغيرة قد طواها النسيان، وتكافح البقية الباقية منها للحفاظ على ما تبقى لها من هوية.

ينطبق ما سبق على أرض بني شنقول، ومعناها في اللغة الدنقلاوية «بلاد الذهب». تقع في شرقي السودان بحدود النيل الأزرق وأعالي النيل، مساحتها تقدر بحوالي 250 ألف كيلومتر مربع، وشعب بني شنقول أصوله سودانية عربية، من أرضهم انتشر الإسلام في إثيوبيا، ولغته الرسمية هي العربية، ويبلغ تعداد المسلمين فيه نحو 92% من عدد السكان ، أما بقية السكان فهم من «اللادينيين»، وجميعهم يطالبون باستقلال الإقليم عن إثيوبيا التي ضمت الإقليم عنوة.

 كان إقليم بني شنقول تحت سيطرة الإمبراطورية المصرية لمحمد على وأسرته وظل الإقليم أرضًا مصرية، إلى أن احتله الإنجليز مثل باقي الأراضي المصرية وقام الأحباش في عهد الملك منليك باستئجاره من الإنجليز عام 1898 لمدة 25 سنة، في شكل إيجار من نوع خاص اسماه الإنجليز بإيجار شخصي، وذلك بغرض نهب الذهب مناصفة، وهو ما تحول بمرور الوقت إلى استعمار حبشي.

في هذه الأرض يبنى سد النهضة الآن، وتبدأ قصتها المنسية في أول نوفمبر سنة 1898 حين ثار منليك واستولى على بلدة الروصيرص ذات الموقع الهام على النيل الأزرق، وكان منليك يطمع في هذه المنطقة التي تمتد حتى النيل الأبيض، وبدأ هارنجتون مندوب بريطانيا يتفاوض مع منليك مؤكدا أن هذه المنطقة ملك مصر، وبالرغم من أن بريطانيا أظهرت بعض التنازلات عن بعض الأراضي المصرية التي استولى منليك عليها إبان الصراع بين المهديين والجيش المصري الإنجليزي، ومنها أرض بني شنقول التي تمسك بها منليك لوجود الذهب بها، فوافق الإنجليز لسعيهم إلى الاحتفاظ بالنيل الأزرق مقابل ترك الإقليم لإثيوبيا.

وقعت بريطانيا نيابة عن مصر مع إثيوبيا معاهدة أديس بابا 1902، وأهم ما فيها المادة الثالثة التي تنص على إن الإمبراطور الإثيوبي منليك الثاني يعد بألا يبني أو يسمح ببناء أي أعمال على النيل الأزرق من شأنها أن تعترض سريان مياه النيل، إلا بموافقة الحكومة البريطانية والحكومة السودانية مقدمًا.

إلا أن حلم إثيوبيا القديم في أن تكون رائدة لأفريقيا قفز من جديد، وتمثل في بناء سد النهضة الذي سيجعل مصر تموت عطشا مقابل حلم الرفاهية الإثيوبي لعمل أول بنك للمياه، حتى تبيع لمصر والسودان ما كان مملوكا لهم بالفعل من ماء، كما تريد أن تكون مصدرًا للطاقة النظيفة خاصة لدول الجوار التي تعاني من نقص في مصادر الطاقة، وبالفعل بدأت تسوّق لمشروعها فوقعت مذكرة تفاهم لتصدير الكهرباء إلى كينيا وإلى دولة جنوب السودان مقابل البترول، بل تطمح لتصدير الكهرباء أيضًا إلى شرق السودان وجيبوتي واليمن.

كما أعلن بني شنقول رفضهم لبناء سد النهضة على أرضهم لخطورته على مصر، وقد أكد  السفير يوسف ناصر حامد، زعيم حركة تحرير شعب بني شنقول المسلحة في، إثيوبيا قائلا إنهم سيتقدمون بملف لجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي للمطالبة باستقلالهم، وأن على مصر أن تدعم أبناء إقليم بني شنقول الذين يريدون تقرير المصير دوليا من خلال تاريخها الدبلوماسي، حتى يضمنوا أن الإقليم الذى بات يضم سد إثيوبيا هو إقليم عربي، وسننضم في حالة استقلالنا لجامعة الدول العربية، وعلى الدبلوماسية المصرية أن تجعل مشكلة إقليم بني شنقول ملفا لها فإثيوبيا لا تعترف باتفاقيات تاريخية للمياه، لأنها وقعت في عهد الاستعمار وكذلك نحن في إقليم بني شنقول لا نعترف بها فنحن جزء عربي منفصل عنها وضمنا الاحتلال الإنجليزي إلى إثيوبيا في صفقة تاريخية معلومة للجميع.

هكذا، نجد أن الأرض الني يبنى عليها السد هي أرض عربية ان لم تطالب بها السودان، ولكن يظل الخرس المصري السوداني علامة استفهام كبيرة لا إجابة عليها، فلأي جانب تعمل حكومة الدولتين؟ هل من مجيب؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد