تعود فكرة إنشاء سد النهضة الإثيوبي، أو «سد الألفية الكبير»، إلى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، عندما حدد الموقع النهائي للسد مكتب الولايات المتحدة للاستصلاح، وهو إحدى الإدارات التابعة للخارجية الأمريكية، بعد عملية مسح أجراها المكتب للنيل الأزرق بين عامي 1956 و1964 ، وهي العملية التي لم يتم الرجوع فيها إلى مصر، وهو الأمر الذي مثل خرقًا لاتفاقية عام 1929.

وتنص اتفاقية عام 1929 الموقعة بين مصر وبريطانيا، التي كانت تمثل كينيا، وتنزانيا، والسودان، وأوغندا، على إقرار دول الحوض بحصة مصر المكتسبة من مياه النيل، كما أعطت الاتفاقية لمصر الحق في الاعتراض عند قيام هذه الدول بإنشاء أي من المشروعات الجديدة على النهر وروافده.

وتضمنت اتفاقية عام 1929 أيضًا تنظيمًا لاستفادة مصر من حصتها في بحيرة فيكتوريا، فجرى بذلك تخصيص ما نسبته 7.7% من التدفق للسودان مقابل 92.3% لمصر.

إن سد النهضة الذي أعلنت إثيوبيا في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2010 عن وضع التصميم النهائي له، وحددت عام 2019 موعدًا لانتهاء عملية إنشائه، سيكون له تأثير مؤكد في حصة مصر من مياه نهر النيل، والبالغة حاليًا نحو 55 مليار متر مكعب، فمن المتوقع أن تتراوح نسبة الخسائر المصرية من حصتها بين 5 إلى 15 مليار متر مكعب، حسب كمية التبخر والفيضان، والتدفق السنوي من مياه الأمطار على نهر النيل.

ومما لا شك فيه أن ذلك سيترك أثرًا سلبيًا في مصر، التي تصل نسبة التصحر فيها إلى 95%، والتي هي بأمس الحاجة للمياه، لا سيما وأنها تفتقر لأي مصدر مائي آخر غير نهر النيل، الذي ارتبطت به أرض الفراعنة ومنذ فجر تاريخها ارتباطًا وثيقًا، ولطالما اقترن اسمها باسمه.

الكل يعلم أن معظم سكان مصر اليوم يعيشون على ضفاف نهر النيل، وقد شكل هذا النهر، وكما ذكرت آنفًا شريانًا حياتيًّا لأرض الكنانة، فهو وإضافة لفوائده المائية المستخدمة في توليد الكهرباء بواسطة السد العالي ومياه الشرب والزراعة، يعد ممرًا استراتيجيًّا حيث يستخدمه المصريون في نقل البضائع والأشخاص على طوله، الأمر الذي يمكنهم من تجنب المناطق الصحراوية التي تعد الطرق الوحيدة للوصول إلى وجهاتهم.

وبالنظر إلى ما تقدم، فإن مصر ستكون هي الخاسر كما السودان من عملية ملء خزان سد النهضة الذي تصر إثيوبيا على تحديدها بثلاث سنوات فقط، والهدف من وراء ذلك طبعًا هو السرعة في توليد الكهرباء، بينما تطالب مصر بتحديد سبع سنوات لإتمام عملية الملء، كي تتمكن من تفادي الخسائر المتوقعة.

يذهب كثير من الخبراء إلى الاعتقاد بأنه من الصعب التنبوء بكمية المياه التي ستتدفق على نهر النيل الأزرق، كما أن كثيرًا من الدراسات تؤكد أن نسبة أخرى من المياه سيتم فقدانها نتيجة التبخر والتسرب، وعليه فإن كل ذلك سيؤثر في مصر بعد أن يؤدي إلى تقليل حصتها، وهذا أمر أعطى ويعطي المخاوف المصرية أبعادًا منطقية وفنية وعلمية.

لطالما شكلت المياه شريانًا حياتيًّا لشعوب هذه الأرض، فأهمية المياه تفوق أهمية أي شيء آخر بالنسبة لهذه الشعوب، ومن الصعب بما كان على أي دولة من الدول التفريط بحصصها من المياه، لما لذلك من خطورة على أمنها القومي والبشري، فالأهمية لهذا المصدر الحياتي وعند استغلال طرف للمياه على حساب طرف آخر، قد تؤدي إلى الدخول في نزاعات وصراعات عسكرية، ففقدان دولة لحصتها من المياه يعني نهايتها في جميع المجالات؛ لأن كل شيء مرتبط بشكل أو بآخر بالمياه التي لا غنى لبني البشر عنها.

يتوقع خبراء أن الحروب القادمة في العالم ستكون على المياه، إذ تتعرض الجهود المبذولة في إنحاء واسعة من العالم والرامية لإدارة إمدادات المياه العذبة داخليًّا، أو الحفاظ على اتفاقات المياه العابرة للحدود إلى ضغوطات تحت وطأة الندرة، بالتوازي مع النمو السكاني والاستهلاك، وارتفاع درجات الحرارة.

وقد أشارت دراسة للبنك الدولي حول وضع المياه العالمي أجريت عام 2016، إلى أن مناطق بأكملها قد تشهد انخفاضًا في مجمل ناتجها المحلي بنسبة ستصل بحلول عام 2050 إلى 6% نتيجة خسائر مرتبطة بالمياه في قطاعات الزراعة، والصحة، والدخل، والممتلكات.

فالمحلل الأمريكي دانييل دارلينج، وهو المختص في شؤون الأسواق العسكرية الدولية ومجالات الدفاع، كان قد صرح في مقالة له في مجلة «National Interest» الأمريكية بأن بناء السدود وآثارها في اتجاه مجاري الأنهار عبر الحدود الوطنية – كما في حالة سد النهضة في إثيوبيا ومشروع تحويل المياه في الصين من نهر يارلونج تسانجبو جنوب التبت – يهددان بتصعيد التوترات أو بتغيير كلي للمطالبات الوطنية في المناطق المتنازع عليها.

وعليه وبناءً على ما تقدم، فإن أزمة سد النهضة تنذر بكارثة وخيمة العواقب، لا سيما بعد فشل جولات التفاوض بين الدول الثلاثة، إثيوبيا ومصر والسودان، وإعلان إثيوبيا عدم نيتها المشاركة في الاجتماع الذي عقد برعاية وزارة الخزانة الأمريكية في يومي 28 و29 من فبراير (شباط) الماضي.

وأخيرًا، فليس مستبعدًا أن يؤدي استمرار الفشل في المفاوضات إلى إجبار مصر، التي من غير الممكن أن تتنازل عن حصتها من المياه في النيل الأزرق، على الدخول في معركة تحكيمية دولية مع إثيوبيا، قد تتطور إلى نزاع عسكري بسبب سد النهضة، الذي هو نهضة في إثيوبيا وانتكاسة وتراجع في مصر والسودان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد