كثيرًا ما يدعي بعضهم أن عصر المماليك هو عصر الجهل والتخلف والانحطاط، يصور دومًا على أنه عصر الثورات والقتال على السلطة، بينما يعيش الرعية في فقر وانحلال، لم تكن هذه الحقيقة مطلقـًا، أو أن هناك وجهًا آخر لدولة المماليك لم يعرفه بعضهم.

فدولة المماليك المظلومة كما أراها يرجع لها الفضل في إنهاء التواجد الصليبي والتصدي المستمر لمحاولات الفتك بعضد الأمة الإسلامية، وقد كان للصراعات قبل نشأتها دور هام في نهضة الدولة المملوكية، فهجرات أهل بغداد إلى الشام واستقرار بعض منهم في مصر كان لها أثر بالغ في سطوع عصر المؤلفات، ففي عصر المماليك نبغ في كل علمٍ أعلام، وفي كل فنٍ أفذاذ، ما تزال مؤلفاتهم مِلء السمع والبصر في ميدان العلوم.

بعد فترة وجيزة أصبحت دمشق والقاهرة قبلتين لطلبة العلم، ولم يقتصر الأمر على العلوم الدينية فقد كان للطب والفلك والكيمياء والفيزياء دور هام في المجتمع المملوكي، حيث ظهرت في العصر المملوكي كثير من المنشآت الدينية من مساجد وتكايا ومدارس وأربطة وحلقات العلم،
لدراسة أوجه الإنتاج الفكري في العلوم النظرية والتطبيقية، كما كان للباريمستانات – المستشفيات – أهمية كبرى في اكتشاف العديد من الأدوية لكافة العلل.

ومع تنامي حركة العلوم في المجتمع المملوكي ازدهرت الحياة، فعجت الموانئ بكافة السلع والموارد اللازمة لتيسير أمور المعيشة وفتح سبل التطور العلمي، وفتح آفاق جديدة وتواصل مع العالم وكان ذلك بعد سيطرة سلاطين المماليك على موانئ الشام على البحر المتوسط كما لعبت الإسكندرية دورًا محوريًا في نقل العلوم من المغرب الإسلامي والأندلس إلى الشرق وزاد ذلك الأمر بعد حفر قناة من قرية فوه إليها في عهد الناصر بن قلاوون، فازدهرت الأسواق وتداول العلم مع تنقل كثير من العلماء بيسر بين جنبات الدولة المترامية الأطراف.

 

 

الحياة الفكرية

يعد العصر المملوكي من أزهى عصور الإسلام في علومه الفكرية والأدبية فقد ظهر جليًا ذلك في مؤلفات العلماء والأدباء والمؤرخين، فوفرة المؤلفات في ذلك العصر تعد إبداعًا فريدًا ومازال إلى وقتنا هذا تتداول الكتب والمؤلفات التي صدرت ولقيت رواجًا في العصر المملوكي، ويعود الفضل في انبعاث الحياة العلمية مرة أخرى للمجتمع الإسلامي إلى المماليك بعد الغزو المغولي وتدميره للكتب والمؤلفات، فنجزم أن عصر المماليك كان عصر صحوة على جميع المستويات وخاصة فى مجال الأدب والتاريخ والعلوم الدينية؛ فنجد أن المماليك اهتموا ببناء المساجد والجوامع وإيلائها رعايتهم فأنفقوا عليها كثيرًا من الأموال، وأرادوا أن يتجاوز دورها الخطبة والصلاة إلى الإسهام العلمي وإنجاب كثير من الأجيال العلمية التي برزت في ميادين مختلفة من العلوم.

وساهم هذا في تطوير العلوم النظرية فنجد أن علوم الفقه والحديث والعقيدة والأدب والتاريخ قد منحتنا نجومًا لامعة وأصحاب موسوعات ضخمة ومنهم:

الإمام النووي، والعز بن عبد السلام، وابن تيمية، وابن قيم الجوزية، والمزي، وابن حجر العسقلاني، والذهبي ، وابن كثير، والمقريزي، وابن تغري بردي، والقلقشندي، وابن جماعة وابن قدامة المقدسي.

كما نجد أن علوم الجغرافيا والنثر واللغة قد حظيت باهتمام بالغ ونذكر منهم:

ابن فضل الله العمري المتوفى 1348م، مؤلف “مسالك الأبصار في محالك الأمصار”، وقد أورد في كتابه بحثـًا عن الجغرافية السياسية في بلاد الإسلام.

وهناك أيضًا المؤرخ عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي المعروف بأبي شامة ومن مؤلفاته كتاب الروضتين في أخبار الدولتين وكتاب الذيل على الروضتين والمقاصد، ومن أدباء العصر نذكر اللغوي شمس الدين محمد بن الحسن الصائغ الحنفي المتوفى 1325م، وكاتب الوداعة علي بن المظفر بن إبراهيم بن عمر بن يزيد الكندي الوداعي المتوفى سنة 1326م، ومن مؤلفاته كتاب موسوعي جامع بعنوان التذكرة الكندية الذي كتبه بخط يده في المدرسة السيمساطية في دمشق، أيضاً محمد بن يوسف بن عبد الله بن شمس الدين الخياط الحنفي الشاذلي الذي أصبح شاعر بلاط الملك الناصر في القاهرة سنة 709 هجريًا، له دواوين أكثرها في الشعر الديني وله قصيدة في واحد وستين بيتًا تتناول حريق دمشق سنة 1340م .

 

 

العلوم التطبيقية

ازدهار المجتمع المملوكي وتداول العلوم والمعرفة أثمر عن ظهور العلوم التطبيقية، فكان لعلماء المماليك دور مهم ساهم في بناء الحضارة البشرية بل تم أخذ بعض العلوم ونكران أسماء علمائها لتستبدل بأسماء أخرى فعلى سبيل المثال:

نجد أن طريقة بريل للمكفوفين، هذه الطريقة التي نُسبت فيما بعد إلى لويس بريل الفرنسي المتوفى في 1850م، أن العصر المملوكي أنتج هذه الطريقة قبل لويس بريل بخمسة قرون على يد زين الدين علي الآمادي المتوفى في 1314م الذي كان كفيف البصر، وأما الاختراع التاريخي الثاني فهو المدفعية وبالعودة إلى الكتب التي تناولت تاريخ السلاح بالمقارنة مع المصادر العربية التي وجدت في هذا العصر، ويثبت أن المماليك في مصر والشام أوجدوا هذا السلاح قبل أوروبا بما لا يقل عن نصف قرن وخاصة قبل بريطانيا التي عملت فيما بعد على تطوير هذا السلاح، أيضاً يمكنني القول إن هذا العصر أوجد عالِمًا قام بوضع الرموز الرياضية التي نستخدمها في يومنا هذا (س، ع، ط) لأول مرة في العصر المملوكي.

وأما عن الطب فنجد كثيرًا من الأطباء والمكتشفين وأبرزهم هو (بن النفيس) وقد اقترن اسم ابن النفيس باكتشاف الدورة الدموية الصغرى، التي سجلها بدقة في كتابه “شرح تشريح القانون”، غير أن هذه الحقيقة ظلت مختفية قرونًا طويلة، ونُسِبت وهمًا إلى الطبيب الإنجليزي وليام هارفي (ت 1068هـ/ 1657م) الذي بحث في دورة الدم بعد وفاة ابن النفيس بأكثر من ثلاثة قرون، وقد خلَّف ابن النفيس مؤلفاتٍ علمية عديدة، نُشِرَ بعضُها ومازال بعضها الآخر في غياهب المكتبات، وحبيس رفوف المخطوطات لم يرَ النورَ بعد.

أما الطبيب الثاني فهو أحمد بن أبي إصبعية موفق الدين أبو العباس، طبيب مؤرخ للطب والأطباء وشاعر وكان والده من أمهر أطباء العيون بالكحل وسُمي “كحّال دمشق”، ومن علماء الفلك في العصر المملوكي المزي وابن الشاطر، وقد وضع المزي مجموعة جداول للزوايا الساعية وجداول أخرى للصلاة وتنقل بين القاهرة ودمشق والإسكندرية للتدريس ونقل العلم وله مؤلفات مختلفة تتعلق بالآلات، والجدير بالذكر أن المزي وابن الشاطر اهتما بعلم الفلك والنماذج السيارة وابتكرا العديد من الآلات الحديثة لم يعرفها العالم من قبل، ومن علماء علم الميكانيكا والفيزياء بديع الزمان الجزري وقيصر بن أبي القاسم بن عبد الغني بن مسافر.

 

فضل العصر المملوكي

نجد أن العصر المملوكي ليس كما ادعى بعضهم عصر التخلف والانحطاط والظلمة، فما نراه متجليًا فى العمارة يثبت العكس، فقد كانت القاهرة ودمشق وسائر مدن دولة المماليك ممهدة الشوارع تنار ليلاً بمصابيح ومشاعل، نجد الخانات والباريمستانات والمدارس ممتلئة بالناس، والأسواق عامرة بأفخر أنواع الصنائع نجد أيدٍ ماهرة أتقنت الحرف، ونجد أيضًا ملابس نظيفة مميزة زاهية راقية، أما الفنون في عصر المماليك فنجد أنها وصلت حدًا من الروعة والإتقان والرقي، ويشهد على ازدهار فن النحت على الخشب في العصر المملوكي، أن الفنانين استطاعوا أن يبدعوا في زخرفة الحشوات بالرسوم الدقيقة، كما أن العلوم العسكرية حظيت بمكانة ومؤلفات ضخمة، ولا ننسى دور النساء فى المجتمع المملوكي الراقي فقد كانت تعامل النساء برقي وقدر وافر من الإجلال.

لقد ترك علماء عصر المماليك علمًا وفيرًا، فقد أحصي أكثر من مائتي عالم في شتى المجالات ومئات المؤلفات والمراجع المهمة، ومنهم من ترك أثرًا لا في معاصريهم فحسب بل تعداهم إلى الأجيال التي تلت، وفي هذا المجال يبدو اسم ابن تيمية في طليعة المصلحين في ذلك العصر، وذلك بسبب نشاطه ودقة تفكيره وصفاء أسلوبه (بالنسبة إلى الفقهاء وأهل الشرع) وصراحته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد