كان« لي كوان يو» المعروف عالميًّا بصانع معجزة سنغافورة الاقتصادية يقول: «حياة البلدان التي تشبه حياة الإنسان، فـيها الحلو والمر، والماضي والحاضر والتخطيط للمستقبل».

تدعو سنغافورة نفسها بمدينة الأسد، فهذه الجزيرة الصغيرة المكونة من خمسة ملايين شخص تفتخر بامتلاكها ثاني أكثر المطارات ازدحامًا في العالم، وبأن دخل الفرد فيها أعلى بكثير من بريطانيا، وبأنها على رأس القائمة في مجموعة أخرى من التصنيفات مثل قوائم الدول الأقل فسادًا والأكثر ملاءمة للأعمال التجارية. وتشكل سنغافورة دليلًا حيًا على أن النهضة ممكنة ومتاحة لجميع الدول على حد سواء.

ويتلخص إنجاز سنغافورة في الخروج من مصاف دول العالم الثالث إلى العالم الأول في رؤية وضعها لها منذ فترة طويلة زعيمها المؤسس «لي كوان يو». فلقد أدرك السيد «لي» والمؤسسون لهذه الدولة أن هناك شروطًا لابد من توافرها وآليات وخططًا لابد من العمل على تنفيذها لتحقيق هذه النهضة. فسنغافورة هي دولة بلا موارد، متعددة الأعراق والأجناس والديانات، كانت تعاني من فقر شديد، ومع ذلك استطاعت تحقيق نهضة عظيمة في فترة وجيزة، صارت بها حديث الناس في كل الدنيا. ونحاول فيما يلي توضيح الأسباب الرئيسية لهذه النهضة في:

1- الوحدة الوطنية

حرص السيد «لي» والمؤسسون على توحيد الدولة نحو هدف واحد باعتباره أولى الخطوات في سلم النهضة، لذا سارعوا بزرع معاني الوحدة الوطنية وإلغاء الفوارق بين الأعراق والأجناس والديانات داخل سنغافورة. ولتحقيق ذلك قاموا بعدة إجراءات منها:-

  • وضع اللغة الإنجليزية لغةً أساسية للدولة. على الرغم من أن السيد «لي» كان من أصل صيني ويتكلم الصينية إلا أنه تنازل عن لغتة لتوحيد بلاده.
  • اختيار الأفراد الأفضل لتولي الوظائف والمهام، مهما كانت انتماءاته أو أصله أو دينه.
  • التعالي عن المصالح الحزبية الضيقة، والتخلي عن ثقافة التعصب الفصائلي، وتقديم مصلحة سنغافورة وقضيتها وشعبها على أي مصلحة حزبية أو فئوية أو شخصية.

2- القوانين

حرصًا على استقرار الدولة كان لابد من وضع قوانين وإجراءات تساهم في تحقيق النهضة المرجوة، لذا تم اعتماد قوانين الدولة من حيث:-

  • قوانين صارمة وضمان سيادتها بتطبيقها الفعلي وعدم التساهل في ذلك، مع العمل على استقرار أجهزة الدولة واتصافها بالكفاءة والنزاهة والانضباط.
  • قوانين لكل أنواع المخالفات. ( من القتل والسرقة… إلى إلقاء اللبان في الشوارع).
  • معلنة في كل مكان. (الجرائد – التليفزيون – الشوارع – … حتى طباعة هذه المخالفات وعقوباتها على أقمصة وغلاف كتب… إلى غير ذلك).
  • استقلال القضاء وتطبيق أحكامه بعدالة من غير خضوع للضغوط الداخلية أو الخارجية، وإليكم مثلًا بسيطًا من تجربة سنغافورة . يذكر «لي كوان يو» في كتابه السابق أنه في عام 1993 قام أمريكي عمره 15 عامًا ومعه مجموعة من الأصدقاء بتخريب بضع إشارات للمرور ورش الأصباغ على أكثر من 25 سيارة وقد حكمت عليهم المحكمة بست ضربات بالعصا والسجن أربعة أشهر وغرامة 2500 دولار، وتم تنفيذ الحكم بالرغم من محاولات أمريكية مستميتة لمنع التنفيذ. لكنه نفذ.
  • تطبق على الجميع داخل الدولة دون تفرقة بين وزير وعامل.

3- القضاء على الفساد

وذلك عن طريق سياسة الوقاية من الفساد من حيث:-

  • دعم منظومة قيمية في كل الدولة (المدارس – الوزارات…) تحض على تجنب الفساد والعمل لما فيه مصلحة الدولة.
  • أنشأت الحكومة دائرة التحقيق في الممارسات الفاسدة – CPIB.
  • محاسبة الفاسد أيًا كانت وظيفته أو انتماؤه. (محاكمة وزير دفاع سنغافورة بتهمة الرشوة في قضية سلاح من فرنسا).
  • خفض مستويات البيروقراطية والهياكل الإدارية لمستويات متدنية. إذ يتكون الهيكل الإداري للدولة من حوالي 50 ألف موظف لا أكثر، وعلى درجة كبيرة من المهنية والتعليم والثقافة.
  • التعيين في الوظائف طبقًا للكفاءة دون محسوبية.
  • ـ الفصل بين الوزارات وإدارة التنفيذ، إذ يتولى التنفيذ في الغالب هيئات ومؤسسات منشأة بقانون. ومن شأن ذلك تفريغ الوزارة من سلطة التنفيذ وإزالة سبب ما يمكن أن يترتب عليه من فساد ولا يبقى للوزارة إلا التفكير الإستراتيجي للمدى المتوسط والبعيد.
  • رفع مرتبات الموظفين في الدولة بشكل يجعل منها كافية لتوفير مستوى حياة كريمة، فدفع أجور مرتفعة أهم رادع للفساد.
  • الحد إلى أكبر قدر من تعامل الموظفين بالمال، فالرسوم والغرامات تدفع إلكترونيًّا، ذلك لأن التقليل من لمس الموظف للمال يوفر الجهد والوقت ويقلل من الفساد.
  • حظر استعمال الصفة في الأماكن التي تقدم خدمات بالنسبة لكل الفئات العليا من الموظفين.

4- إصلاح التعليم

يقول «لي كوان يو» رئيس وزراء سنغافورة: «سنغافورة تحتاج إلى الإبداع وليس إلى حشو المعلومات».

وقد انتهجت سنغافورة العديد من الإستراتيجيات التي ساهمت في تحقيق سنغافورة المركز الأول في جودة التعليم على مستوى العالم طبقًا لتقرير التنافسية عن عام 2015. ولعل أهم هذه الإستراتيجيات:-

  • الاهتمام بالمعلم، وهو ما تمثل في:-
  • اختيار المعلمين من الثلث الأفضل من خريجي مدارسها.
  • التدريب والتأهيل المستمر.
  • عدم السماح لهم بالتسرب خارج البلاد.
  • إعفاء المعلم من كافة الأعمال الإدارية والكتابية حتى يتفرغ للتعليم.
  • رواتب وحوافز مجزية.
  • إنشاء مدارس ذكية مجهزة بتقنيات حديثة وشبكات اتصال واسعة مع مدارس ومراكز تعليم وتدريب داخلية وخارجية تخدم المعلمين والطلبة في آن واحد.
  • المناهج الدراسية
  • التركيز على التفكير والاستنتاج والتحليل بعيدًا عن التذكر والتلقين، هدفها خلق طالب قادر على التفكير الخلاق والتعلم الذاتي.
  • الاهتمام بمناهج العلوم والرياضيات والقراءة في مختلف المراحل الدراسية عناية فائقة مما جعلها تحتل مراتب متقدمة في الاختبارات الدولية (Timss & pisa).
  • مدير المدرسة. وفرت له مساحة من الاستقلالية والمشاركة في القرارات التربوية سواء كان ذلك متعلقًا بالمناهج ومراجعتها أو بإجراءات التقويم قريبة أو بعيدة المدى وبالتعاون مع مجلس التربية والتعليم في المنطقة.

والشعار المعلق على المدارس هو (مدرسة تفكر.. وطن يتعلم).

5- التسهيلات التجارية

لجذب الاستثمارات الأجنبية اتُّخِذ عدد من الإجراءات منها:

  • تجهيز البنية التحتية المناسبة.
  • تطوير قطاع الخدمات.
  • إنشاء هيئة التنمية الاقتصادية بوصفها مؤسسة واحدة يسهل على المستثمر التعامل معها ولا يحتاج للتعامل مع عدد كبير من الإدارات والوزارات (نظام الشباك الواحد).
  • تشجيع الصادرات.
  • منح إعفاء من الضرائب يصل إلى عشر سنوات مما جعل بعض الشركات الأجنبية تقبل على الاستثمار.
  • تذليل العقبات التي تعترض المستثمرين الأجانب.
  • اجتذاب الاستثمارات في مجال إنتاج سلع القيمة المضافة المرتفعة.
  • التركيز على أربع صناعات أساسية هي بناء السفن وصناعتها، وهندسة المعادن، والكيماويات، والأدوات الكهربائية.

6- نهضة اقتصادية

اعتمدت سنغافورة ٣ محاور رئيسية، من أجل تحقيق النهضة باقتصادها، هي:-

  • الاعتماد على خطة تسويق تجارتها وترويجها بشكل يتيح وجود وارداتها وصادراتها بالأسواق بشكل دائم.
  • الاتجاه نحو تأسيس قاعدة من العلاقات التجارية القوية مع مناطق التجارة الحرة وطرق الاستثمار بين البلاد الأخرى.
  • تأسيس بنية تحتية تجارية قوية للغاية استغلتها لتعزيز قدرتها التنافسية.

7- قيادات ذات رؤية ونزاهة

حب الوطن  كان المحرك الرئيس لمعجزة سنغافورة, وتحوّل هذا الحب لإرادة سياسية, ومنهج عمل، وتخطيط، تبناه فريق عمل اتصف بعدد من السمات:

  • فكر ورؤية.
  • نظافة اليد.
  • الإبداع.
  • حب البلاد والاستعداد للتضحية.
  • القدرة على التعامل مع الأحداث بإيجابية.

ويؤكد «لي كوان يو» أهمية القيادات الوطنية في بناء الدولة بالقول «بعد عدة سنوات في الحكومة، أدركت أنني كلما اخترت أصحاب المواهب وزراء وإداريين ومهنيين، كانت سياساتنا أكثر فعالية وأكثر نجاحًا».

8- بناء مجتمع العدالة الاجتماعية

عن طريق عدة إجراءات منها:

  • يتم التعيين في مختلف الوظائف عبر مناظرات عامة مفتوحة للجميع.
  • يحصل موظفو القطاع العام على رواتب تنافسية مثل القطاع الخاص إن لم يكن أعلى.
  • نظام شامل للضمان الاجتماعي الممول ذاتيًا، يقوم على تحصيل ضرائب من الأفراد يتم الاستفادة منها في إنشاء صناديق ادخارية لتمويل امتلاك الأفراد للبيوت وتقديم الرعاية الصحية.
  • دعم قيم الحفاظ على استقرار الأسرة والتكافل بين أفراد العائلة في شتى الجوانب.
  • دعم الثقة بالمسؤولين والموظفين الشباب الذين تمتعوا بالاستقامة والأمانة والذكاء والطاقة.

وكان للتركيز على «المنظومة القيمية» التي يمارسها أبناء المجتمع خاصة القيادات أثرها على نهضته وعطاء أبنائه.

9- نهضة صناعية

بدأت سنغافورة بالاعتماد على نفسها من خلال:-

  • صعود سلّم القيمة المضافة منتقلة من الصناعات الخفيفة مثل النسيج، والملابس، والمواد البلاستيكية إلى صناعات متطورة كالإلكترونيات، والمواد الكيميائية، والهندسة الدقيقة، وعلوم الطب الحيوي. بالإضافة إلى ذلك، مضى هذا التطور جنبًا إلى جنب مع زيادة كبيرة في الخدمات، وخاصة الخدمات المصرفية.
  • اتباع إستراتيجية النظر إلى الخارج والتصدير من خلال جذب الاستثمارات الأجنبية.
  • وضع قوانين وسن تشريعات تهدف إلى وضع معايير للعمالة الصناعية وتقديم تسهيلات لرأس المال الأجنبي.
  • إنشاء مناطق صناعية، ذات بنى تحتية وبأسعار دعم عالية مع السماح بحرية دخول السلع وإعفائها من الرسوم الجمركية.
  • استيراد أحدث التطورات التكنولوجية العالمية لزيادة إنتاجية رأس المال والعمالة، وذلك من خلال تشجيع الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتوظيف المواهب الأجنبية وسيلةً لنقل المعرفة.
  • بدء صناعات جديدة مثل صناعة الحديد والفولاذ والصناعات الخدمية مثل شركة النقل البحري وشركة النقل الجوي وشركات أخرى كبرى في مجالات متعددة كالتأمين والنفط.
  • اعتماد السياحة صناعة رئيسية، فهي ثالث أكبر مصدر للعملة الأجنبية في سنغافورة، ويصل إلى سنغافورة حوالي خمسة ملايين ونصف المليون سائح سنويًا، أي ما يزيد عن عدد سكان الجزيرة.

10- قوة إعلامية

لنشر تجربتها وتسويق إمكاناتها وجذب المستثمرين، قامت سنغافورة بما يلي:-

  • إنشاء مؤسسات إعلامية متقدمة تتمثل في 9 محطات راديو و3 شبكات تلفزيون و8 صحف محلية.
  • إتاحة فرص البعثات التعليمية داخل سنغافورة وهو ما يتيح لها نشر تجربتها.
  • استقطاب الرموز والمشاهير لزيارة سنغافورة للتعرف على تجربتها والتحدث عنها بشكل جيد في كل مكان.
  • نشر مواد مقروءة ومسموعة ومرئية توضح إنجازات قادة سنغافورة.

لكل هذه الأسباب وغيرها استطاعت سنغافورة في سنوات معدودة الانتقال من دولة خارج سياق التاريخ، إلى دولة تصنع تاريخًا ومستقبلًا خاصًّا بها، وتحفز  غيرها نحو صنع مستقبل أفضل لهم.

يقول «فيليب يو»: «ليس لدينا أسرار، لدينا فقط كلمة واحدة اسمها العمل».

ويقول «لي كوان يو»: «لا يدوم شيء فـي التاريخ أكثر مما هو مكتوب له. انظروا إلى الاستعمار، كيف انتهى فـي جنوب شرق آسيا وفـي الشرق الأوسط، من كان يظن فـي بداية القرن الماضي أن هذا الاستعمار كان سينتهي؟».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد