نحن نعيش في عالم ضيِّق، محدود، متآكل، جولاتنا على طرقاته بطيئة وواهنة كأنَّنا سلاحف نجرّ قبورنا فوق ظهورنا طوال الوقت، والمرّة الوحيدة التي نقف فيها هي لحظة الموت. ولكن حتى هذه اللحظة تظلّ عند مجيئها غير مفهومة، مشكوك في أمرها، وكأنَّها تمثِّل الحياة لشدّة ما فيها من تفاصيل وصور.

باعتراف صحافية مبتدئة أقول إنني لم أتمكَّن من الفصل بين الفلسفة الوجودية ولوحات الفنان البلجيكي رينيه ماغريت، بعد تأمّلٍ مطوَّل لإنجازات هذا السرياليّ الساخِر من المعرفة، والباحث عنها في عمق الأحلام واللاوعي، اكتشفت أنَّ ما يجمع بين الفنّ والفلسفة هو الإبهار؛ فالأشياء الغامضة مُبهِرة لأنَّها تخلخل وعيك وتُشعِرك بالخطر.

ما الفن إن لم يكن تدريبًا جميلًا على الخطر؟

عن الأحزان المترَفة والحياة داخل الفن؟

ولد رينيه ماغريت عام 1898، في عائلةٍ ثريَّة؛ إذ كان والده من أصحاب المصانع الأثرياء. دخل رينيه كلَّية الفنون الجميلة في بروكسل، بين عاميّ 1916 حتى 1918، ولكنَّه هجرها بعد ذلك لأنَّها كانت بالنسبة إليه مضيعة للوقت.

تزوَّج رينيه عام 1922 من جورجيت بيرجر، وكان يتنقَّل بين الوظائف الصغيرة، حتى إنه عمِل رسَّامًا للورود في إحدى الشركات التي تصنع ورق الجدران. وكان في بداياته يرسم لوحات تنتمي إلى المدرسة التكعيبية التي راج سوقها في تلك الفترة.

لكنَّ هذا الميل إلى التكعيبية لم يدم طويلًا، فوقت الفراغ الطويل جعله يكتشف مدى ولعه بالسيريالية. والحقيقة أنَّ رينيه عاش حياةً سهلة نسبيًّا، باستثناء فترة من طفولته وتحديدًا عام 1912 الذي شهد فيه انتحار والدته، ريجينا ماغريت، غرقًا.

أصيب رينيه بسرطان البنكرياس عام 1963، وتوفي عام 1967. تاركًا وراءه حفنة من اللوحات السيريالية المقتبَسة عن الأحلام.

عن لوحة: لا يُعاد إنتاجه

«على التصوير أن يخدِم شيئًا آخر غير التصوير». إذا تأمَّلنا مقولة رينيه هذه نستطيع أن نخمِّن العالم الذي ينتمي إليه بسهولةٍ أكبر إلى حدٍّ ما، صحيح أنّ عالم السيريالية يعني تصوير اللاثبات والاضطراب وحالات الإضمار والتواري المنظَّم، إلا أنَّ بصمة رينيه في هذه اللَّوحة تعززها حالة الانفصام والخروج من الزمن. جيمس وهو الشخص المرسوم في اللَّوحة يبدو للوهلة الأولى إنسانًا، وهو كذلك بالطَّبع، والكتاب يبدو كتابًا والمرآة تبدو كالمرآة، لكنَّ الانعكاسات لا تبدو انعكاسات سويّة. وبالطَّبع المقصود بالسويّة هنا بمعنى المتداولة أو القابلة للقراءة في العين البشريّة.

ما يعجبني في هذه اللَّوحة ليست حالة الغموض، ولا السخرية من البديهيات، وإنما سيطرتها على اللاوعي اللغوي، وهذا مصطلح اخترعته حين فكَّرت في الكلمات المناسبة لوصف هذه اللوحة، أنت كمشاهِد متصالِح مع الألوان العاديّة، والماديّات التي تشبه الماديّات في حياتك، ولكنك لغويًّا تعجز عن اختيار مصطلحات سويّة.

جيمس بطل اللَّوحة خارج الزمن وخارج اللغة، لا يمكنك أن تصف وجوده هناك دون أن تكسر الواقع، وتكسر اللغة أيضًا وتعنِّفها فنّيًّا. أنت دائماً صفحة مبهمة بالنسبة إلى الآخرين، وإلى نفسك. أنت حفنة من الطبقات التي كلّما كشفت الغطاء عن إحداها صُدمت بوجود أخرى.

عن لوحة خيانة الصورة

رينيه من الفنانين الذين استخدموا النصوص في لوحاتهم، وكان ميشيل فوكو معجبًا بهذه اللَّوحة ووقف مطوّلاً أمام ما تخفيه من دلالات. كما كانت لوحات رينيه سببًا في كتابة ميشيل فوكو لكتابه «الكلمات والأشياء».

«هذا ليس غليونًا»، إذا كنتَ تُراهن على بصرك فالغليون بقول إنَّك أعمى، وإذا كنتَ تراهن على عقلك فالنَّص يقول إنَّك أبله.

برأيي كان رينيه يحاول كسر ثنائية النص والصورة ووجود عالم من التماثلات والتشابهات بينهما. فاللغة التي يُفترض أن تحمل دلالة معيَّنة عن الحقيقة هي غير فاعلة، أو غير مجدية، والصورة التي ينبغي أن تمثِّل شيئًا واقعيًّا، هي عاجزة عن النفاذ إلى الواقع وبالتالي لا يُمكن الإشادة بفاعليتها أيضًا. وهذا ما سأله رينيه: «من يستطيع أن يدخن غليوناً في صورتي؟ لا أحد، إذن إنه ليس غليونًا».

هُنا يبرهن رينيه على أنَّ الفن ليس من عائلة الواقع النووية ولا الممتدة، فالفن السريالي لا يحاكي التنميط المريح لباقي المدارس الفنيّة، فاللوحة قد تحمل دلالات معاكسة لما تراه، وما تراه لا يشبه شيئًا سبق وكنت على تماسّ معه في حياتك الفعلية، حتى لو حمل الشكل نفسه. هذا يشبه أن ترى والدتك في الحلم، تتحدَّث معها أو تعطيها شيئًا، هي ليست والدتك وأنتَ لم تكن معها. هذا كلّه أضغاث أحلام.

عن لوحة: ابن الإنسان

لوحة ابن الإنسان من أكثر اللوحات إثارةً للجدل في تاريخ الفن، من خلالها يحاول رينيه تأليه الإنسان، أو تصدير الإله إلى عالم البشر مرةً أخرى. لعلَّها أشبه بتذكير حزين بطبيعة الروح البشرية التي تندَسّ عنوة داخل أجساد مهما كانت منمَّقة أو مبعثرة، فإنها تظلّ مستقلّة عنها، لا تمثِّلها.

ثمة احتجاج سخي وواضح على نتاجات العالم الحديث، وثمة سخرية من لون واحد وصنف واحد هي «التفاحة»، تنفي سطوة الحداثة على النفس أو الروح. وتؤكد أنَّ الإنسان هو ابن الخطيئة والضلال، ابن الغريزة والأهواء، وأنَّ الوحش لا يمكن ترويضه مطوّلًا. ومهما ارتقت هذه الأجساد في أزيائها ستظلّ محكومة بالنزعة الوحشيّة القديمة.

مع أنّ رينيه كان شديد الاحتجاج على تفسير لوحاته من منطلق رمزي حتى وإن كان ضمن إطار حُلمي أو لاوعيي. فالناس من وجهة نظره يميلون إلى تفسير اللوحة بغيّة العثور على معنى ما، إذ لا يُعقل أن تكون اللوحة فارغة من أي معنى. لكن رينيه يعتبر الخواء المعرفي أو خلوّها من المعاني جزءًا من طبيعتها ومعناها.

في بعض الأحيان يكون معنى اللوحة موجودًا بداخلها، ولكنه ليس واقعيًّا ولا رمزيًّا، هو ببساطة السبب الذي يدعوك لتأمل اللوحة ساعات طويلة. البحث والتنقيب.

لوحات رينيه تؤسس لمعاني «منجَميّة»، الحركة الخاطئة في محاولة التنقيب عنها، تكون بمثابة الانهيار الكلي للمعنى.

عن لوحة: قصر الذكريات

يستعرض رينيه في هذه اللوحة الزيتيّة التي رسمها عام 1940 بلجيكا قبل الحرب العالمية الثانية حالة الركود، ويحوِّل ذكرياته فيها إلى هذا المشهد النّاعم والثائر في آن. من وجهة نظري تعزِّز الستارة في اللَّوحة مفهوم تقطيع الذكريات، فأحسّ بأنَّ هناك أجزاء أخرى قابعة خلف اللَّوحة وعليَّ أن أنزع هذه الستارة بيدي لأراها.

أفضل خدمة تقدِّمها السيريالية إلى العالم، وإلى الإنسان على وجه التحديد، هي «الهُلامية المعنائية»، لا وجود للصواب ولا للخطأ. وذكريات رينيه المحشورة عنوة داخل هذه اللَّوحة يُمكن لعابر سبيلٍ أن يستوقفه معنى مختلف تمامًا لما يقوله رينيه أو أيّ ناقدٍ محنَّك أو غير محنَّك. لهذا السبب يستهويني الفن السيريالي؛ لأنَّه على تماسّ مباشر مع الصعلكة الروحيّة، مع التيه الذي يمثِّل إنسان هذا العصر. لا وجود لمعنى ثابت وبالتالي فإنَّ اختراع معنى وإسقاط صورة ما أو لغة ما هو نوع من التآخي مع المشاعر، دون الحاجة إلى صبغها بألوان البساطة أو التعقيد.

لوحات رينيه مستقلّة عن الصور واللغة والتشبيهات. تخلق حالة من الحنين والتشويش والاستبصار في آن. ولسببٍ ما لا أعرفه بعد أن شاهدت لوحات هذا الفنان وقرأت تاريخ حياته، وجدت نفسي أسترجع كتاب أمبرتو إيكو «أن نقول الشيء نفسه تقريبًا» مع أنَّ إيكو يتحدَّث عن الكتابة «الترجمة»، ورينيه عن الرَّسم والتصوير، لكنَّهما متشابهان حدَّ التورط. كيف؟ كلاهما يقول إنَّ الترجمة في حالة إيكو، والتصوير في حالة رينيه ينتميان إلى عالم التأويل، ويخضعان لدلالات لا نهائية، وكلاهما يأملان أن يتفاوض المعنى مع النص/ الصورة لخلق حالة جديدة من الحقيقة، دون أن تكون على تماسّ مباشر معها.

لذا تجد نفسك تبحث داخل اللَّوحة عن معنى ما لإنقاذ الارتباك المعرفي الذي يقف عاجزًا أمام هروب الأفكار بين الخطوط والألوان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد