(1)

في إطار السعي الدائر حاليًا تحت شعار (تجديد الخطاب الديني)، تساءلت في مقالة سابقة عمن يفترض أن يساهم في هذا المسعى، وأنه لا بد أن يكون مؤمنًا ابتداءً بدور الدين في المجتمع، فلا يتصور أن يتحدث في تطوير الخطاب الديني من يريد تنحية الشرع عن الحياة، أو من يريد الشرع في خدمة حاكم أو حكومة، أو في خدمة فئة أو مجموعة.

(2)

وطالما أن الحديث قد كثر في هذا الأمر، فدعونا نقدم مقترحات فيه، ولنر إن كان القوم جادين فعلًا في المسألة، أم أن مفهوم التطوير عندهم هو التبديد؟

(3)

أقترح على سبيل المثال أن نطور الخطاب الديني في اتجاه استعادة قيمة إسلامية وإنسانية ونفسية هامة فقدت من واقعنا تحت ضربات الظالمين، وهي قيمة مقاومة الظلم والتصدي له، وهي قيمة حض عليها القرآن والسنة وأقوال وأفعال سلف الأمة، ففي كتاب الله يقول الحق سبحانه في مدح المؤمنين بخير صفاتهم «وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ، وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ، إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ»، ويقول تعالى: «… وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ».

(4)

هناك في كل عام اثنان وخمسون أسبوعًا، ففي كل عام اثنان وخمسون خطبة جمعة، هل سمع أحد من حضراتكم يومًا خطيبًا في خطبة الجمعة يتكلم عن هذه القيمة الإسلامية؟!، هل سمعتم يومًا خطيبًا على المنبر يردد تلك الآيات المهجورة – التي هي من هجران الخطباء لها تبدو كأنها ليس من كتاب الله – هل سمعتم خطيبًا على المنبر يتلو «وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ»؟، هل سمعتم خطيبًا يحث الناس على مقاومة الظلم ويتلو «وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ، إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ»؟، هل سمعتم يومًا خطيبًا يقول للناس: إذا كان من ظلمك قويًا فالله أقوى، فقاومه ومعك وعد بنصر الله، ويتلو «… وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّاللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ»؟، ألا يكون السعي وراء تبيان هذه الآيات الكريمات للناس وتعليمهم هذه القيمة الإسلامية الهامة هو من أوجه تجديد الخطاب الديني.

(5)

في كل عام اثنان وخمسون خطبة جمعة، كم مرة سمع أحد من حضراتكم يومًا خطيب في خطبة الجمعة يردد حديث الرسول صلى الله عليه وسلم «خير الجهاد كلمة حق في وجه سلطان جائر»؟، كم مرة سمعتم حديث رسول الله الذي رواه أحمد «إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم، يا ظالم، فقد تودع منهم»؟، كم مرة حدث الخطيب على المنبر بحديث رسول الله الذي رواه أحمد في المسند «سيد الشهداء: حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره ونهاه فقتله»؟، ألا يكون السعي وراء تبيان هذه الأحاديث الشريفة للناس وتعليمهم هذه القيمة الإسلامية الهامة هو من أوجه تجديد الخطاب الديني.

(6)

في كل عام اثنان وخمسون خطبة جمعة، فكم خطيب في تلك الخطب حدثنا أننا نجد في القرآن أن السكوت عن الظلم والتهاون فيه يوجب العذاب على الأمة كلها: الظالم والساكت عنه، كما في قول الله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً}.

(7)

في كل عام اثنان وخمسون خطبة جمعة، فكم خطيب في تلك الخطب قال للمصلين: (مفيش حاجة اسمها: عبد المأمور، ولا عبدٌ مأمور)، وأنها لن تنفعك يوم القيامة، ثم يتلو عليهم قول الحق تعالى «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا «، وقوله تعالى: «إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ، وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ».

(8)

في كل عام اثنان وخمسون خطبة جمعة، فكم مرة من تلك الاثنين والخمسين قال الخطيب للمصلين: إن القرآن جعل مجرد الركون والميل النفسي إلى الظالمين موجبًا لعذاب الله: «و َلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ».

(9)

من كان حقًا يريد تجديد الخطاب الديني ففي مثل هذا فليسع، في إحياء تلك المبادئ الإسلامية الأساسية المهجورة، إن كانوا حقًا يبتغون وجه الله بالدعوة لتجديد الخطاب الديني، فهل هم فاعلون؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد