الإنسان ومنذ القدم اعتمد على تسخير الطاقة الطبيعية لتسيير حاجاته، فاستخدم طاقة المياه في البداية ثم عند قدوم الثورة الصناعية أرادت الحضارة الغربية الاعتماد على مصدر رخيص للطاقة، ويلبي في نفس الوقت التطور المتسارع لهذه الثروة، فكان استعمال الطاقة النفطية التي كان لها دور كبير في دفع الحضارات وتقدمها للأمام.

أدى هذا الاستخدام المفرط للطاقة النفطية، إضافة للتلوث البيئي والتذبذب في الأسعار الحاصل اليوم من جراء استخدام هذه الطاقة؛ إلى التفكير في كيفية استدامة هذه الحضارات، فكانت الطاقة المتجددة هي الوسيلة المثلى خصوصًا للمدن التي تعتمد على الطاقة النفطية بالشكل الأساس، ومنها المدن العربية المنتجة للنفط، لأن الحضارات قامت في هذه المدن بالاعتماد على مصدر طاقة ناضب، وإذا ما أريد لهذه الحضارة الاستمرارية فيجب اعتماد طاقة متجددة يطيل من عمر الوقود الأحفوري.

الطاقة المتجددة في المنطقة العربية

وإذا ما علمت أن ألمانيا احتفلت عام 2015 بمرور 30 عامًا دون انقطاع التيار الكهربائي، معتمدة في ذلك على محطات كهرومائية ومحطات شمسية – رغم قلة الأيام التي تظهر فيها الشمس هناك – كما أن بريطانيا «بلد الضباب» أصبحت خلال أعوام قليلة مركزًا لألواح الطاقة الشمسية في أوروبا، أما بُلدان المنطقة العربية فإنها غنية جدًا بمصادر الطاقة المتجددة بالتساوي، والمتمثلة بأشعة الشمس القوية والمياه المتواجدة على أراضيها، إضافة إلى السواحل البحرية الطويلة، وتجد أن الاستثمار في الطاقة المتجددة لا يتجاوز 5% عام 2013 من مجموع إنتاجها من الطاقة رغم أن هناك محاولات جادة تقوم بها بعض دول المنطقة منها دبي، الكويت، السعودية، إضافة إلى دول الشمال الإفريقي، كما يتوقع بلوغ حجم الاستثمار في الطاقة المتجددة 300 مليار دولار حسب الهيئة العربية للطاقة المتجددة.

العراق ومشكلة الطاقة المزمنة

تمثل مشكلة الطاقة في العراق مشكلة كبرى لها دور كبير في إعاقة عملية التنمية فيه، كما أن سياسة الحكومة الترقيعية المتبعة وكمية الأموال المنفقة المليارية في تطوير هذا القطاع كانت عالية جدًا ولكن دون أي تقدم يذكر، بل على العكس، فقد زادت المعاناة بالنسبة للناس وخصوصًا مع صرف هذه المليارات ضمن عقود لم تر النور إلى يومنا هذا، وإذا ما نظرنا إلى باقي قطاعات الاقتصاد في الدولة العراقية، نراها معتمدة بشكل كبير على الطاقة، وهو ما يؤثر سلبًا على الناحية الاقتصادية ومنها مسألة البطالة المنتشرة في المجتمع وخصوصًا فئة الشباب، من هنا نذكر إحدى التجارات الرائدة في عالمنا العربي والمتمثلة بدولة المغرب. فالتجربة المغربية في التنوع من مصادر الطاقة تمثل خطوة رائدة يمكن الاستفادة منها لحل مشكلة الطاقة في العراق.

المملكة المغربية ومحطة النور

كانت تكلفة إنشاء الطاقة الشمسية في البداية كبيرة جدًا، لكن مع التوجه العالمي والتقدم التكنولوجي وانتشار المصانع المنتجة لمواد هذه الطاقة بكميات كبيرة، انخفضت التكلفة بشكل ملحوظ، ففي السنوات الخمس الأخيرة انخفضت التكلفة الإنتاجية للطاقة الشمسية بنحو 50%، والمملكة المغربية في ذلك سلكت طريق البحث عن بدائل للنفط المستورد حيث إنه ليس من الدول الغنية بالوقود الحفري كالفحم والبترول والغاز الطبيعي, وتعتمد على مصادر طاقة غير متجددة مستوردة بنسبة 97% من الطاقة المستهلكة في البلاد، ويزداد احتياجها من الطاقة الكهربائية سنويًا بنسبة تتراوح بين 6% إلى 8% منذ عام 1998، والمتوقع أن تتفاقم أكثر في غضون الأعوام العشرين المقبلة.

ولحل هذه المشكلة أطلقت المملكة المغربية أحد أكبر مشروعات الطاقة الشمسية في العالم لإنتاج 4000 ميغاواط كهرباء من طاقة الرياح والطاقة الشمسية، وحسب قول وزير الطاقة والمعادن والماء والبيئة المغربي عبد القادر عمارة «الآن تدخل الطاقات المتجددة وأساسها الشمسية والريحية (طاقة الرياح) والكهرومائية فيما نسميه بالباقة الطاقية، لأنها هي التي تسمح لنا بتخفيض التبعية الطاقية لبلادنا على المستوى الدولي».

إنشاء المحطة في ورزازات

ورزازات مدينة مغربية والمقر المستقبلي لإحدى كبريات محطات الطاقة الشمسية المركزة في العالم، وهي الخطوة الأولى ضمن مخطط الطاقة الشمسية في المغرب الذي انطلق عام 2009 بهدف توفير قدرات لتوليد 2000 ميغاواط من الطاقة الشمسية بحلول عام 2020، كما أن المرحلة الأولى من المشروع وفرت أكثر من 2000 فرصة عمل في مرحلة الإنشاء و92% من المشتغلين في المشروع هم مغاربة. وخطة المملكة المغربية بعد 4 سنوات سيغطي المغرب 42% من احتياجاته من الطاقة الشمسية، وتم تحقيق الهدف الأول وهو تشغيل محطة نور 1 والتي تنتج الآن 18% من احتياجات المغرب من الطاقة. وقصة نجاح التجربة المغربية ترتكز على إستراتيجية وطنية للطاقة تهدف إلى تأمين التزود بهذه الطاقات من خلال تبني التنمية المستدامة.

بالنسبة للتمويل، حرصت الحكومة المغربية على إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص، كما أنها تعاقدت مع مؤسسات وشركات دولية وعملت أيضًا على استصدار قانون خاص بالطاقات المتجددة يسمح للقطاع الخاص بإنتاج الطاقة وبيعها مباشرة دون المرور ببوابة الدولة، حيث إن مشاريع الطاقة المتجددة لا تعد من المشروعات الكبرى على مستوى الدول، كما استحدثت مركزًا خاصًا في ورزازات يعمل بالتعاون مع مراكز أخرى على حل إشكالية تخزين الطاقة الشمسية، وهذا سيضمن استدامة هذه الطاقة المهمة.

من الناحية الاقتصادية والبيئية

  1. تشجيع ضعف الأوضاع الاقتصادية في المدينة من خلال فتح آفاق جديدة في الصناعة للتقليل من البطالة، وكذلك تطوير البحث العلمي.
  2. معالجة مسألة ضعف وجود القطاع الخاص هناك.
  3. خلق وظائف جديدة في المدينة من خلال إنشاء خدمات اجتماعية (مستشفى وكلية طب وجامعة متعددة الاختصاصات للارتقاء بالمستوى المجتمعي للأفراد).
  4. إحداث صندوق خاص لتمويل المشاريع الخاصة والمتوسطة وتقوية الحس الإبداعي من خلال اعتماد موضوع الطاقة المتجددة.
  5. تنمية المنطقة نفسها من خلال خلق عدة مشاريع تنمية للسكان.
  6. ستساعد المرحلة الأولى من المشروع المغرب على تفادي 240 ألف طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنويًا أي ما يعادل إبعاد 80 ألف سيارة عن الطريق سنويًا.
  7. المحطة دليل واضح على وفاء المغرب بالتزاماته المتعلقة بالتخفيف من آثار المناخ وتغيره.

خلاصة القول: قبل البدء بنوع كهذا من المشاريع الرائدة يجب محاربة الفساد المعيق الأول لها، ومتى توفرت الإدارة المخلصة مع الإرادة سيصبح من السهل تطبيق مشروعات كهذه في بلدنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد