لما بدأ الخلق كان الناس كلهم يتوجهون إلى الله بالعبادة متسقين مع فطرتهم السوية، ومع تتابع الأزمان بدأ الانحراف يظهر وإشراك غير الله بالعبودية، بل وإنكار وجود الله من الأساس. أرسل الله الأنبياء والمرسلين ليعيدوا الناس إلى الدين الصحيح ويخلصوهم من براثن الشرك وما ينبني عليها، وكانت سنة الله في الصراع بين الحق والباطل أن يُرسل نبيًّا يدعو الناس فتؤمن معه طائفة فتنجو وتكذبه طائفة فيهلكها الله بعد إنذار، ثم تعيش هذه الفئة المؤمنة تعبد الله ويمر الزمن ويحدث بها انحراف فيأتي نبي آخر وينذرهم فينجو المؤمنون به العائدون إلى صحيح الدين ويُهلَك المكذبون.

وهكذا الحال استمر حتى جاء خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة الخاتمة وكانت النقطة الفارقة، فمنذ هذه اللحظة انقطع الوحي من السماء لأن أهل الحق يمتلكون منهجًا متكاملا – هو الإسلام – صالحًا لكل البيئات والعصور والأحوال، وعند انحراف الفئة المؤمنة عن الحق لن يكون هناك نبي يدعوهم ولكن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)، لأنه لم يعد هناك أنبياء مُرسَلون فتجديد دين هذه الأمة سيكون على يد أبنائها.

التجديد هو إرجاع الشيء لحاله كما بدأ، وتجديد تدين الناس يعني الرجوع بهم إلى صحيح الدين كما نزل وهذا يقتضي إحياء، وتنقية، ومواكبة.. فالإحياء يكون بتفعيل وإحياء أمور جوهرية في الدين أهملها الناس أو اندرست لقلة التداول والممارسة، أما التنقية فتكون بتخليص الدين مما علق به من شوائب وانحرافات في أفهام الناس، والمواكبة تكون بإنزال الدين وتطبيقه في واقع الحياة والبحث في أصوله عن إجابات لمشاكل العصر الحالي.

كما أن التجديد يكمن في التفريق بين أصل المنهج وبين تطبيقه وتأويل الناس له على مر الزمن، ففي الإسلام أصل المنهج من قرآن وسنة وهذا لا يمسه التجديد ولا يقربه، وتطبيق هذه الأصول على مر العصور وفهم الناس لها هو ما يخضع لعملية التجديد الثلاثية فيتم إحياء ما غاب من مفاهيم تحت ضغط المحن والظروف المختلفة التي مرت بها الأمة، ويتم تنقية أفهام الناس مما علق بها من شوائب وانحرافات تخالف أصل المنهج، ويتم أخيرا صياغة الأصول وعرضها بما يتناغم ويتواكب مع العصر الحالي وبما لا يُخل أو ينحرف بها عن مضمونها.

هذا التجديد المستمر في أمة الإسلام أشمل من أن نحصره في مجرد الخطاب الديني الدعوي، إن التجديد معنيٌّ بإرجاع كل المسلمين إلى مكانهم الصحيح سواء في الشعائر والعبادات أو في الشرائع والقوانين أو في علاقاتهم ببعضهم وبالأمم والدول الأخرى.. إنه شامل شمولية الإسلام سواء بسواء.

والتجديد لا يقوم به فرد وإنما مجموعة من الناس من الممكن أن يقودهم فرد واحد، وفي عصر معقد كالذي نحياه أليق بالتجديد أن تنهض به مجموعات متخصصة في كل المجالات، وتكون الحركة لبث هذه الروح التجديدية في جسد الأمة وفق قاعدة عريضة من الدراسات والتنظير الوافي المخطط والمنظم.. فلا يليق بأهل الحق أن يكونوا فوضويين في مواجهة قوى تخدم الباطل بنظام وتخطيط محكم.

والأمة الإسلامية في وضعها الراهن هي أشد احتياجًا لصحوة تجديدية تستعيض ما فاتها من أمور دينها وما فاتها من ركب الحضارة والتقدم.

ومن الجحود أن ننكر جهود الحركة الإسلامية في العقود السابقة في مضمار التجديد، ولكن هذه الجهود تحتاج في الناحية النظرية إلى مزيد من الدراسات والتخطيطات المحكمة، وفي الناحية العملية إلى مزيد من الاتحاد والسعي والبذل بما يراعي شمولية التجديد.

إن الحركات الإسلامية في عصرنا الحالي أخطأت حين شغلتها السياسة عن باقي جوانب التجديد من أمور فقهية واجتماعية واقتصادية وفكرية، فكان انشغالهم بالوسيلة عن الهدف سبب تأخر وتعثر في النجاح على مستوى الوسيلة فضلا عن الهدف (التجديد).

كما أن التجديد معنيٌ بالناس بادئ الأمر وتغيير قناعاتهم وسلوكياتهم ثم تأتي جوانب التغيير تباعا بعد ذلك “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”.. فواجب من يحمل راية التجديد ويسعى بها أن يتصل بالناس ويجيب على تساؤلاتهم ويصلح فكرهم ودينهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد