الدين الإسلامي لطالما كان ولا زال وسيبقى دين التشمير عن السواعد والنهوض بالواقع، حيث لا يدعونا الإسلام إلى الركون لواقعنا بانتظار المخلّص والمنقذ، إنما يأمرنا بأن نعقل ونتوكل وأن نسدد ونقارب وأن نسعى للخير ونسلك مسالكه، وكذلك الحال في مسألة التجديد للأمة في دينها الذي ارتضاه الله، فبما أنّ النصوص الشرعية أثبتت أن الله سيبعث للأمة من يجدد لها دينها، ويحفظ له ثوابته وأصوله، وينطلق من هذه الثوابت ضمن مساحة التجديد المتاحة ليواكب كل مكان وكل زمان، فإن بعث الله لهؤلاء القوم المجددين على رأس كل 100 سنة لا يرتبط بالقدر فحسب، فهم ليسوا فصلًا في السنة تأتي به التغيرات الجوية وتبدلات الطقس، إنما هم نتاج عمل حقيقي على الأرض لعلماء الأمة ودعاتها وطلاب العلم والعوام كلّ من موقعه لاستخراج هذه الثلة المصلحة، وليس الأمر بالركون والقعود وانتظار من يجدد أمر الدين ويعيده صافيًا كما بدأ.

أمر الله نافذ لا شكّ ولا ريب في ذلك، فهو وعد بأن هذا الدين لن يمحى ولن يندثر، كسالف الأديان والشرعات المحقّة وغير المحقّة فقد اندثرت حينًا بقساوة طرحها أمام رياح التغيير المجتمعي فانكسرت ولم تقاوم، وحينًا بليونة طرحها وتماهيها مع التغييرات فذابت واندثرت، أما دين الإسلام الذي أتم الله به نعمته علينا محفوظ من قبل رب الأرباب من الانكسار أو الذوبان، وذلك بالوعد الإلهي الثابت:

(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحجر: (9)

ويؤيد هذا الحفظ الدليل الذي سقناه في الجزء الأول من هذه السلسلة عن بعث الله للمجددين، بل يحدد ملامح هذا الحفظ الإلهي لهذا الدين بالحديث الذي رواه أبو هريرة – رضي الله عنه – عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه قال:

(إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا : كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ) رواه الحاكم في مستدركه

إذًا فمادة الحفظ الإلهي للدين وتجديده كلما علقت به شوائب من عادات المجتمعات أو ضلالات بعض الفرق أو ألغيت منه أحكام وأُنسيت، وكذلك أدوات التجديد معروفة (الكتاب والسنة) بدليل صحيح وفهم صحيح، فيبقى الحديث عمن سينال تشريف الله له بابتعاثه مجددًا كما وعد.

لماذا نقول عن هذا الابتعاث تشريفٌ؟

الجواب واضح وبسيط؛ لأن مادة هامة من مواد الأمة الإسلامية، وسبيلًا من سبل تمكينها وريادتها سيمضي بأيدي المجددين المبتعثين على رأس كل قرن، حفظة للدين من تفريط المفرطين وإفراط المتكلّفين، الساعون للإصلاح الماضون في تفنيد الشبهات وكشفتها وإزالتها، العاملون ليبقى الدين الإسلامي دين عبادة ومعاملة، ودين أمة لا دين تنظيمات وأحزاب، ومنهج حياة متكاملة اجتماعية سياسية علمية اقتصادية تربوية، وليس كما يراد له أن يقفل عليه داخل المساجد.

هذا الحمل الثقيل وهذه الأمانة العظمى يستحيل أن يحملها إلا الشرفاء الغيارى على دينهم، الذين يذودون عن الدين حبًا به لا عصبية لحزب أو تنظيم أو دولة أو وطن، يدافعون عن أمة ويدعون لأمة ويقودون أمة، يحملون فكرًا جامعًا تأصيليًا، لا أفكار ضيقة مبتورة مقاسة على قياس أحوال أصحابها.

قيل: يا رسول الله! من الغرباء؟ قال: (الذين يصلحون إذا فسد الناس)، وفي اللفظ الآخر: (يصلحون ما أفسد الناس من سنتي)، وفي لفظ آخر: (هم النزاع من القبائل)، وفي لفظ آخر: (هم أناس صالحون قليل في أناس سوء كثير).

إن مسيرة التجديد في دين الإسلام سنة ثابتة تجمع بين قدر إلهي ماضٍ في كل زمان، وبين الغربة الإصلاحية وشرف الابتعاث الإلهي، فدين الله باقٍ مهما تحارب وحسن مهما حاول أعداؤه تشويهه.

وفي الجزء الثالث من السلسلة سنتحدث إن شاء الله عن صفات الغرباء وما يميزهم عن مدّعي التجديد من الغلاة أو المفرّطين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
s