اصطبغت دولة سيدنا داود فتية التأسيس بالقيم الحضارية الرائدة التي من أجلها تأسست وترسخت أكثر حين تمثلها رأس الدولة وقائدها سيدنا داود، فانطلقت مع سيدنا داود مسيرة دولة الشهود الحضاري، وبدأت بسيادته شق طريق التمكين لمنهج الله، من مستوى الدولة الحافظة للحقوق المحافظة على القيم الساعية العاملة لترسيخها في ذلك المجتمع البعيد عن منهج الله عند تحرير المسجد الأقصى. لقد كان تحدي سيدنا داود ابتداءً تحديًا داخليًا حين استلام أمانة المسجد الأقصى المبارك وإقليم الأرض المقدسة، فكان استكمال بناء المجتمع الحامل للدولة أولوية لبقائها واستكمال وظيفتها والسمو نحو تمكين منهج الله على مستوى البشرية.

ورث سيدنا سليمان من جغرافية بيت المقدس الحكم والنبوة عن أبيه سيدنا داود عليهما السلام، فكان له مثلما كان لأبويه سيدنا إبراهيم وداود عليهما الجمع بين السيادة النبوية الاخلاقية والعقدية للأمة والسيادة السياسية الاجتماعية للدولة والمجتمع وورث مع كل ذلك الرسالة الحضارية لتحقيق العبودية لله والاستخلاف في الأرض وعمارة الكون عبر استكمال مسيرة الانبعاث الحضاري، بل المتراكمة على المستويات السابقة عبر الانتقال من تحدي بناء الدولة إلى نماء الدولة وقيادتها وشهودها على الأمم الأخرى؛ إذ يقول الله عز وجل صاحب الفضل ومانح القيادة والسيادة والمستأمن على الأمانة «وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ۖ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ».

لقد كان تجديد المسجد الأقصى المبارك كمسجد يذكر فيه اسم الله ويفرد فيه بالعبادة من أولى مهمات سيدنا سليمان عند استلام الحكم، إذ إن الأرض المباركة نالت البركة بفيضان البركة من المسجد الأقصى لما حوله، فتشرفت الأرض المقدسة بتفضيل الله لها على سائر الجغرافية باحتضان بناء ثاني مسجد وضع على الأرض، وقد كان من صور الميراث الحقيقي استلام أمانة ولاية المسجد الأقصى المبارك من أبيه سيدنا داود الذي استرد الأمانة الموروثة بالتحرير، أمانة ترك الله حفظها للأنبياء منذ أبي البشرية سيدنا آدم بالتأسيس والتشييد إلى سيدنا إبراهيم بالرعاية والإمامة إلى سيدنا موسى بالتخطيط والإعداد للتحرير بلوغًا للتجديد وقت سيدنا سليمان عليه السلام.

لقد نال سيدنا سليمان فوق ميراث الحكم والنبوة والعلم عن أبيه سيدنا آدم فضلًا ومكانة لم يؤت بشر مثلها، وكان من مستلزمات نيل ذلك الفضل تجديد المسجد الأقصى المبارك بناء ماديًا خارجيًا للتخليد والتحديد ليحقق شرط المسجد وتجديدًا إيمانيًا لخصه كمكان عبادة لله ومركز إشعاع إيماني وروحي لتحقيق العبودية لله عز وجل، لقد كان التجديد السليماني للمسجد الأقصى المبارك من الفضل أن كان فاتحة واستحقاقًا لنيل ذلك الفضل الذي لم يؤته بشر، يذكر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه عبد الله بن عمر بن الخطاب، والذي رواه البخاري، وصححه الإمام أحمد في مسنده: «لما فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس سأل الله ثلاثًا، حكمًا يصادف حكمه، وملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وألا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه، إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما اثنتان فقد أعطيهما، وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة».

لم يطلب سيدنا سليمان ذلك الطلب العظيم لنفسه، بل لطلب التأييد الإلهي لتحقيق الوظيفة والرسالة الثقيلة المكلف بها، وكان تجديد المسجد الأقصى المبارك فرصة عظيمة لنيل تلك المكانة وطلب ذلك التأييد الرباني، لقد جدد سيدنا سليمان الأمانة الموروثة المقدسة لتكون الإشعاع النوراني الذي يخرج البشرية من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، والحكم الحكيم الراشد المصادف لحكم الله لتحقيق العدل والرحمة المشروط لامتلاك شرف الاستخلاف في الأرض فكان المسجد الأقصى المبارك مقر القيادة، والحكم، والملك، الذي لم يؤته بشر من قبل ومن بعد.

نال سيدنا سليمان من بيت المقدس حكما يصادف حكم الله في القضاء والعدل والرحمة بما يحقق له مقام خليفة الله في الأرض كحاكم راشد عادل بالفهم الذي خصه به الله عز وجل منذ صغره حتى في حضرة حكم والده الحكيم العالم العابد الزاهد سيدنا داود: «ودَاود وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ. فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ».

لم يكن ذلك الحكم مقصدًا في حد ذاته لسيدنا سليمان، بل كان أداة ووسيلة تمكين رباني واستئمان رباني لاستكمال طريق الانبعاث الحضاري لمنهج الله عزوجل وتمكينه في البشرية التي اعتنقت البهيمية وآمنت بالوثنية أو آثرت العبودية للتأله الفرعوني. لم يستلم سيدنا سليمان الحكم والدولة إلا لاستكمال بنائها لتلعب دورها كقائدة للأمم البشرية بمنهج الله لتحقيق العبودية لله، ونيل الهدى الرباني، ورفع الجور والظلم عنها، وتحقيق العدل والرحمة في أرجائها، فكما كان منهج تحقيق العبودية لله مسارًا متراكمًا من الاهتداء إلى التمكين ومن الفرد إلى البشرية أجمع مرورًا بالأسرة والمجتمع والدولة والأمة، فإن وظيفة سيدنا سليمان هي استكمال المسير نحو الشهود الحضاري للتوحيد على الأديان البشرية الوضعية الشركية الأخرى والتمكين لمنهج الله على مستوى البشرية عبر أداة الدولة ومستوى الملك والإمامة.

لقد مارس سيدنا سليمان من عاصمة الدولة الإسلامية الراشدة وظيفة الشهود الحضاري الإيماني والقيادة النبوية العقدية كنبي مرسل من الله عزوجل عبر السعي لدعوة البشرية لتحقيق العبودية لله وقد يصور الله لنا في القرآن الكريم حمل سيدنا سليمان تلك في دعوة أهل سبأ فبعد المعلومة الاستخباراتية الإعلامية من الهدهد «وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ. لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ. فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ. إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ. وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ» استخدم سيدنا سليمان نوع آخر من إستراتجيات الدعوة التي تتحقق وقت التمكين، وهي أدوات الدولة، لا بهدف التمكن من المجتمعات لا بهدف تبصرتها بالطريق المستقيم وقيادته نحو سلوكه وتمكينها من الزاد لبلوغ منتهاه ومقصده، وكان سبيل ذلك، سواء القوة الناعمة منها الدبلوماسية بداية فأرسل سيدنا سليمان رسالته الشهيرة لملكة سبأ الذي يعبد مجتمعها الموجودات من الشمس والقمر دون الله إذ يقول الله تعالى: «اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ. قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيم. إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ» أو القوة الصلبة بتسيير الجيوش التي لم يؤت ملكًا آخر مثلها وقتها عندما حاولت بلقيس رشوة القرار باستخدام الهدايا استمالة أو بروتوكولًا: «قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ. فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ. ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ».

لقد نال سيدنا سليمان ملكًا لم يؤت أحد قبله أو بعده مثل حكمه عندما استجاب الله لدعوته بعد الفراغ من بناء المسجد الأقصى المبارك، فسخر الله عزوجل له الريح تجري بأمره، والجن، وعلم منطق الطير؛ إذ يقول الله تعالى واصفًا التطور المادي الذي نتج عن السعة الدنيوية والبركة الربانية التي أتاه الله لسيدنا سليمان من الأرض المباركة: «وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ. يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور».

امتازت دولة سيدنا سليمان بقمة التطور العمراني والمادي ووصلت درجة الحضارة نتاج المنتجات الحضارية المادية والقيمية الخلاقية التي أصبحت تصدرها دولة الإسلام الراشدة العادلة فأحسن سيدنا سليمان العمارة وتسخير الطاقات والقدرات والإمكانات التي رزقه الله إياها لتكوين حضارة بشرية مؤمنة صادقة مستخلفة على الأرض ومقدراتها مستهدية بالهدي الرباني منقادة له محققة للعبودية الخالصة لله عزوجل انطلاقًا من المسجد الأقصى المبارك.

لقد كانت دولة سيدنا سليمان نموذجًا رائدًا لقيادة وسيادة وريادة البشرية انطلاقًا من المسجد الأقصى المبارك، فكان تجديد المسجد الأقصى المبارك والانقياد التام للأمر الرباني والتهيئة النفسية والتربوية لتحمل أمانة وميراث القيادة النبوية والسياسية المجتمعية هي الانتقالة الحضارية الكبرى لدين الإسلام الخالد من قلب العالم البشري بيت المقدس، وبوابة حقيقية للانتقال من الاستضعاف، والتشريد، والقهر، والظلم الذي عاشه أهل الحق منذ ضياع المسجد الأقصى بعد سيدنا إبراهيم إلى ما حدث لبني إسرائيل في مصر، وخلال فترة الإعداد للتحرير، إلى التمكين، والقيادة، والريادة، والحكم، والملك الذي أوتيه سيدنا داود وسليمان بعد.
تحرير المسجد الأقصى المبارك والأرض المقدسة وتجديد المسجد الأقصى المبارك للعبادة وللإمامة والشهود على الأمم الأخرى وقيادة للحق، والهدى، والرحمة، والبركة، فكان بذلك بيت المقدس مقياسًا للقوة الحضارية للإسلام والتوحيد، ومحددًا من محددات الارتباط بالمنهج القويم لقيادة الإنسان وسيادة الإسلام وريادة الحق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد