الفكر الإسلامي هو كل ما أنتجه فكر المسلمين منذ مبعث الرسول عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا، وذلك فيما يخص جل المعارف المتصلة بالعلوم الإسلامية والتي لا تخرج عن نطاقها. فالفكر الإسلامي يعبر عن ثلة من اجتهادات العقل الإنساني المسلم فيما يخص مجموعة من المعارف التي لا تخرج عن نطاق قواعد ومبادئ الإسلام. إن هذا الفكر طيلة هذه السنوات أو بالأحرى هذه القرون تعرض لمجموعة من العوامل التي ساهمت في تطوره وتشعبه أكثر، وبذلك أصبح يشمل معارف أكثر ومجتهدين وعلماء أكثر، الذين حاولوا ما أمكن أن يساهمو في تطويره وإغنائه ليكون تراثًا عظيمًا. وكلما مرت السنوات ظهرت الحاجة أكثر إلى التجديد في هذا الفكر فالتجديد كان ضرورة ملحة لإغنائه أكثر، هذا التجديد الذي عرف اتجاهات متباينة فهذه الأخيرة اتفقت في المبادئ والأسس التي لا يستطيع أي مسلم مخالفتها، لكنهم اختلفوا في المنهج أو الاتجاه المناسب ليكون التجديد فعالًا ويخدم الغرض المطلوب.

من هذه الاتجاهات نجد بأن هناك اتجاهات أصيلة ودخيلة وكذا منها من ينطلق من مقاصد مشروعة ومنها من ينطلق من مقاصد غير مشروعة، والاتجاه الأبرز الذي خلق بلبلة في الساحة العربية الإسلامية هو اتجاه علمنة الإسلام، هذا الأخير الذي اكتسب شرعيته وقوته من هيمنة الحضارة الأوروبية، وتلك القوة التي تميزت بها، وهذا الاتجاه كان علمانيًا إسلاميًا ليبراليًا وفكرته الأساسية هي أن الإسلام دين وليس فيه لا سياسة ولا دولة، من الشخصيات التي نحت هذا المنحى نجد الشيخ علي عبد الرزاق (1887-1966) بكتابه «الإسلام وأصول الحكم» الذي أثار ضجة في سنة 1925 وكان هذا الكتاب سببًا رئيسيًا في حصول معركة فكرية في تاريخ المسلمين الحديث، وظل هذا الكتاب وثيقة مهمة يستند عليها العلمانيون المسلمون الذي يرون في الإسلام دينًا ولا يجب أن يتعدى ليكون نظام حكم ونظام دولة، أي أننا لا يجب أن نخلط بين الإسلام كمعتقد وبين استعماله في السياسة ليخدم أغراضًا خارجية.

عمل الشيخ علي عبد الرزاق من خلال كتابه هذا على إنكار الخلافة ورفضه القاطع إضفاء القدسية عليها باعتبارها مكونًا من مكونات عقيدة الإسلام فهو اعتبرها اختراعًا دنيويًا خالصًا لا غير، وهي لم تكن يومًا لا فرضًا إلهيًا ولا واجبًا شرعيًا، وقد ربط الخلافة بالكهانة الغربية فعمل على إيجاد وجه التشابه بينهما وذلك ليبرز فكرة معينة وهي أن الخلافة الإسلامية كانت مجرد استبداد وطغيان باسم الدين وهو يعتبر أن محمدا عليه الصلاة والسلام كان صاحب دعوة دينية خالصة ليس فيها أي أثر لوجود حكومة أو حكم. ومن المؤيدين لهذا الاتجاه العلماني الإسلامي نجد أيضًا الدكتور طه حسين ( 1889-1973) الذي كانت محاولته مستفزة بعض الشيء لمشاعر المسلمين فهو من خلال كتابه «منهج الشك الديكارتي» حاول أن يغربل الروايات والنصوص الدينية بما في ذلك الآيات القرآنية وهنا طرح إمكانية نقد القرآن وبأن الدين والعلم بينهما علاقة تضاد كل في جهته الخاصة والتوفيق بينهما محال.

أما الاتجاه الثاني الذي حاول التجديد في الفكر الإسلامي هو اتجاه التأويل والتعطيل والذي اعتبره البعض محاولة تخريبية للإسلام من الداخل وتشويه صورة الإسلام فقط، الإسلام في نظر مؤيدي هذا الاتجاه بحاجة إلى تجديد بنيوي فكري من الداخل، وذلك كشرط ضروري لمواكبة تطورات العصر وبأن هذا الأمر تحتمه الضرورات الحضارية والإسلام بحاجة إلى أن يتخلص من هذا الجمود الذي يحاصره، ويجب أن يكون له تأثير في هذا العصر وهذا لن يكون إلا بتخلص الإسلام من مجموعة من الأشياء التي تجعله جامدًا، ومن الخطوات التي يجب القيام بها لبلوغ الهدف المنشود تأويل القرآن والاستفادة من جل الفلسفات والمذاهب الإنسانية وهذا الاتجاه عرف بـ«اليسار الإسلامي» ومن دعاته الدكتور «حسن حنفي» الذي أصدر مجلة باسم «اليسار الإسلامي» في القاهرة عام 1981 فهو يعتقد أن هذا اليسار هو دعوة للتجديد، وأننا بحاجة إلى القومية لإنهاء حالة الفوضى التي نعيش في خضمها، وكذلك نحن بحاجة إلى الليبرالية لحل القمع المسلط على شعوبنا وبحاجة إلى ديكارت أيضًا لتأكيد العقلانية.

والاتجاه الثالث في خضم هذا التجديد هو الاتجاه الإسلامي، الذي يستمد شرعيته من الإسلام عقيدة ومنهجًا وسلوكًا، وذلك بالالتزام بالأصول الإسلامية الشرعية واتباع السلف الصالح، فهذا الاتجاه لا يدعو إلى تغيير بنيوي في الإسلام بل يقوم بالعكس ألا وهو عدم تأويل النصوص تأويلًا قد يضرب في قدسية الشريعة الإسلامية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد